حرفة النحّا س

توثيق: د. هلا قصقص

09/05/2026

احتلت صناعة النحاس مكانةً مركزيةً في النسيج الحرفي والاقتصادي لمدينة دمشق منذ العصر المملوكي، واستمرت بوصفها أحد أبرز معالم سوقها التقليدية حتى أواخر العهد العثماني وما بعده. وتتميز هذه الصناعة بأنها تجمع بين البُعد النفعي اليومي – من خلال تصنيع الأواني المنزلية الضرورية – والبُعد الجمالي الراقي، عبر تقنيات الزخرفة والتطعيم بالذهب والفضة التي عُرفت في أوروبا باسم Damascening (الدمشقنة) نسبةً إلى دمشق ذاتها. ويسعى هذا المقال إلى تقديم قراءةٍ تحليليةٍ وتوثيقيةٍ لهذه الصناعة، معتمداً بالأساس على ما أورده جمال الدين القاسمي في قاموس الصناعات الشامية بوصفه شهادةً مباشرةً من داخل المدينة في أواخر القرن التاسع عشر. ولا تقتصر أهمية دراسة هذه الحرفة على البُعد المادي للأشياء المنتجة، بل تمتد إلى ما تكشفه من علاقاتٍ اجتماعيةٍ واقتصادية: إذ تُبرز التراتب المهني داخل السوق، وتقسيم العمل بين الصانع والنقاش والمكفِّت، فضلاً عن البُعد الطائفي والإثني الذي طبع بعض فروع هذه الصناعة في دمشق العثمانية. كما تكشف الحرفة عن أنماط التفاعل بين الإنتاج المحلي والاقتصاد العالمي الذي بدأ يضغط على الصناعات التقليدية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

الاصطلاح والنطاق: النحَّاس صانعاً وتاجراً

يُميِّز صاحبا قاموس الصناعات الشامية في معجمهما الموسوعي بين دلالتين متجاورتين للفظة النحَّاس تظهران في فصلين متتاليين هما الفصل العاشر بعد الأربعمئة والفصل الحادي عشر بعد الأربعمئة. ففي الفصل الأول يُعرَّف النحَّاس بأنه “مَن يطرق صفائح النحاس على حسب ما يرغبه المشتري”، مع الإشارة إلى أن “النحاس يأتي من البلاد صفائح صغاراً وكباراً ووسطاً”، وأن طريقة العمل تقوم على أن “البعض يرغب في طرقه على يده، فيشتري ما يرغبه من تلك الصفائح، ويعطيه إلى الصانع، فيطرقه له حسبما يرغب”. هذا التعريف يحمل دلالتين متشابكتين: الأولى أن النحاس صانعٌ متخصصٌ في الطرق وتشكيل الصفائح، والثانية أن العملية تتم وفق منطق “الطلب الفردي” (custom-made) لا وفق إنتاجٍ معياريٍ مسبق، وهو ما يُميِّز الحرفة الدمشقية ويربطها بنظام الأسواق المتوارث.

والملاحظ أن المصدر يُعدِّد المنتجات بدقةٍ لا تخطئها العين الإثنوغرافية، فيذكر أنه “منها الطناجر والصحون والأطباق للغَسْل والمصافي والمقالي، مع جميع ما يلزم للطبخ، من كفكير وكَبْجاة وغيرها من الأواني النحاسية”، وأن الصانع “يطرقها على حسب ذوق المشتري، وله على ذلك أجرة معلومة”. هذه القائمة المُفصَّلة تكشف أن سوق النحاس في دمشق كان يخدم الاستهلاك المنزلي اليومي بالدرجة الأولى: أوانٍ للطهي، وأطباقٌ للغَسْل، ومصافٍ، ومقالٍ، ومغارف – وهي البنية الأساسية لمطبخ البيت الدمشقي التقليدي.

غير أن المعجم نفسه يستدرك في الفصل التالي مباشرةً، الفصل الحادي عشر بعد الأربعمئة، أن لفظة النخَّاس – بإبدال الحاء خاءً – تدلُّ على معنىً مختلفٍ كلياً، هو “مَن يتجر بالرقيق”، وأن “هذه الحرفة قديماً كانت رائجة بدمشق وغيرها، وأما الآن فقد بطلت بحمده تعالى”. والإشارة إلى زوال هذه التجارة في زمن المؤلفين تكشف عن وعيٍ بالتحولات القانونية والاجتماعية التي طرأت على الإمبراطورية العثمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وعلى الرغم من أن الفصلين متجاوران لفظياً، فإن بينهما هوّةً اصطلاحيةً ودلاليةً عميقة، وما يعنينا منهما هنا هو الأول حصراً، أي الصانع والتاجر في النحاس بوصفه مادةً ومنتجاً.

الجذور التاريخية: من المماليك إلى أواخر العثمانيين

توقَّف الباحثون المعاصرون عند الجذور المملوكية لصناعة النحاس الدمشقية بوصفها لحظةً تأسيسيةً، إذ يُرصَد أن سورية أنتجت زمن حكم المماليك في دمشق وحلب نماذج من أعمال النحاس كانت على درجةٍ عاليةٍ من الإبداع والتفنن والتفرّد، وأن هذه الحرفة بلغت أوجها زمن السلطان الناصر محمد بن قلاوون، إذ انحصرت الصنعة بين أبناء دمشق وقيامهم بإنجاز أعمالٍ خاصةٍ بهم. وتُؤكد الدراسات الاستشراقية المبكرة هذه السمات الدمشقية المميزة، حيث لاحظ المستشرق ستانلي لين بول (Stanley Lane-Poole) ميزةً واضحةً لمدرسة دمشق في أعمال التطعيم، تمثلت في وجود جامات داخلها أشكالٌ متكسرة، استشهد عليها بالقطع المحفوظة في متحف المتروبوليتان.

ويُلاحظ هنا أن الصانع الدمشقي طوّر منذ ذلك العهد لغةً زخرفيةً مميزةً تعتمد على رسم أزواجٍ من الطيور داخل معيّنات، إلى جانب أشكال الأوراق النباتية، وهي تعبيرات لم تكن متداولةً قبل ذلك. هذا التطور الزخرفي ليس مجرد إضافةٍ شكلية، بل هو إعلانٌ عن نضجٍ صناعيٍّ تجاوز التقليد إلى الابتكار، ويعكس ما يمكن وصفه بـ”اللحظة الذهبية” للصنعة في بلاد الشام.

وتعود أهمية هذا الجذر التاريخي إلى أنه يُؤسِّس لخطابٍ ضمنيٍّ في كتابات أواخر القرن التاسع عشر يربط الحرفة بالأصالة والهوية المحلية، وهو الخطاب نفسه الذي يُعبِّر عنه صاحبا قاموس الصناعات الشامية حين يتحدثان عن صنائع باقيةٍ في دمشق، ويُعبِّر عنه ميلوايت عند مناقشته لـ”إحياء النمط المملوكي” (Mamluk Revival) في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وهو نمطٌ كان سوقه قائماً على تصدير منتجاتٍ تحاكي القطع المملوكية الأصلية لزوار المنطقة الأوروبيين والأمريكيين.

المادة الأولية وتقنيات الإنتاج

يُقدِّم قاموس الصناعات الشامية وصفاً مكثَّفاً للمادة الأولية وآلية انتقالها من المُورِّد إلى الصانع، مشيراً إلى أن “النحاس يأتي من البلاد صفائح صغاراً وكباراً ووسطاً”، وأن “الغالب من النحاسين يطرقونها على حسابهم، ويعلقونها في دكاكينهم، يبيعونها على من يرغب في مشتراها”. هذا الجزء من النص بالغ الأهمية لأنه يكشف عن نموذجين متوازيين للإنتاج: نموذج الإنتاج بالطلب الذي ذُكِر سابقاً، ونموذج الإنتاج المسبق للسوق المفتوح، وهو ما يدل على درجةٍ من المهنية الاقتصادية وتنوُّع آليات الترويج لم تحظَ في الغالب بالعناية اللازمة في الدراسات السابقة.

ومن جهة المكان، يُؤكِّد المعجم نفسه أن “لهم بدمشق سوق مخصوص، يعرف بـ﴿سوق النحاسين﴾” يتعيَّش منها أناسٌ كثيرون. وهذه الإشارة إلى السوق المخصص تستحق وقفةً تحليلية: إذ إن تخصيص سوقٍ بعينه لحرفةٍ من الحرف يعكس بنيةً اقتصاديةً ومكانيةً متجذرةً في الذاكرة الحضرية للمدينة الإسلامية، يُعبِّر بصرياً وصوتياً عن انتظام المهنة، ويُوفِّر للمستهلك مرجعاً واضحاً، كما يُتيح للمحترفين رقابةً أهليةً متبادلةً عبر التجاور المهني. ويصف المؤلفون أهل هذه الحرفة بأنهم “مستورون، تنتج ربحاً موافقاً”، وفي عبارة “مستورون” إيحاءٌ اجتماعيٌّ بأن أهل الحرفة يعيشون عيشةً متوسطةً محترمةً دون فقرٍ مدقعٍ ولا غنىً فاحش، وهي صيغةٌ كثيراً ما تتكرَّر في المعجم نفسه لتقدير الموقع الاجتماعي لأرباب الحرف.

أما تقنيات الإنتاج، فقد رُصدت بتفصيلٍ يستوعب التراث المعرفي للحرفة. فبعد طرق صفائح النحاس وتشكيلها على الهيئة المطلوبة، يمر العمل بثلاثة أساليب رئيسة هي: “الدقّ”، و”النقش والتنزيل” (التكفيت)، و”التخريق”. وهذه الأساليب الثلاثة ليست مجرد خياراتٍ زخرفيةٍ متكافئة، بل تشكِّل سلَّماً تقنياً تتدرج فيه الكلفة والمهارة والقيمة الجمالية للقطعة المنتجة. وقد لوحظ أن أصحاب الدق يفضلون في هذه الأعمال النحاس الأحمر لطراوته واستجابته للدق، وهي ملاحظةٌ مادّيّة-تقنية بالغة الأهمية تُبرز أن اختيار سبيكة النحاس لم يكن اعتباطياً، بل مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالتقنية الزخرفية المُعتمدة.

التطعيم والتكفيت

تشكّل تقنية “التنزيل” أو “التكفيت” قمةَ هرم الصنعة الدمشقية في النحاس. وهي مرحلةٌ من مراحل العمل لا يمكن إغفالها، إذ لا يُعقل أن تنقش القطعة وتترك بلا إكمال، عرضةً للأنواء والتآكل. ويتم التكفيت إما بأسلاك من الفضة الخالصة روباص مئة بالمئة، أو بالذهب الخالص، أو بالذهب والفضة معاً، بحيث يحتل كل من هذين المعدنين المساحة التي يتطلبها موضوع الحفر والتنزيل. هذا التداخل بين المعدن الأساسي (النحاس) والمعدن الثمين (الذهب أو الفضة) ليس مسألة تزيينٍ فحسب، بل هو ترجمةٌ مادّيةٌ لتراتبٍ قِيَميٍّ يضع المعدن الثمين في خدمة الموضوع الفني، لا في خدمة الاستعراض المادي للثروة.

والمواضيع التي يتناولها التنزيل هي نفس المواضيع التي يعالجها الدقّ، وهي في مجموعها مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي للعصور الأموية والعباسية والفاطمية، وقد تعالج مواضيع وأحداثاً بيزنطية وعثمانية، كما يتناول كثيرٌ منها قصص ألف ليلة وليلة وحكايات شهرزاد. وهذه الإشارة تكشف عن أن منتج النحاس الدمشقي ليس مجرد سلعةٍ نفعيةٍ أو زخرفية، بل هو أيضاً وعاءٌ للمتخيَّل الجمعي وسرديات التراث الشفاهي والمكتوب.

ومن هنا يمكن قراءة ثلاثة محاور موضوعاتية تتقاطع في القطعة النحاسية الدمشقية: المحور الإسلامي القائم على الكتابات الكوفية والآيات القرآنية والأشعار والأدعية، المحور العَجَمي القائم على رسوم الرجال المحاربين بلباس عربي أو فارسي أو بيزنطي، والمحور المُنتقَى للمناسبات الذي يستجيب لحدثٍ تاريخيٍّ بعينه. ومن أبرز نماذج المحور الأخير الهدية التي كلَّفت بها الحكومة السورية معامل النعسان بدمشق بمناسبة مرور خمسٍ وعشرين سنةً على جلوس قداسة البابا “بيوس الثاني عشر” على السدّة البابوية، ونُقِشت عليها قصة الرؤيا المسيحية لبولس الرسول في طريقه إلى دمشق سنة أربعين للميلاد، وحادثة “قيصرية فيليوس” في بانياس. وفي هذا التنوع الموضوعي دلالةٌ على أن صناعة النحاس الدمشقية كانت قادرةً على استيعاب تعددية المرجعيات الدينية والثقافية لمجتمع المدينة، الذي يضم المسلمين والمسيحيين واليهود.

الأدوات والورشة وتقسيم العمل

تتميز ورشة النحاس الدمشقية ببنيةٍ تقسيميةٍ دقيقةٍ تربط بين العائلة والسوق. ففي حال كون العمل منزلياً، فإن أفراد الأسرة يتوزعون هذا العمل، وقد يكون الواحد منهم يحسن أداء أكثر من مرحلة، فإذا عمل مرحلة يقوم بعمل المرحلة الأخرى، وتكون الأعمال الأساسية في الحفر والتنزيل “التكفيت” خاصة بالكبار من الأسرة، والأعمال الأخرى للصغار، إلا الرسم فإنه من اختصاص المعلم أو رب الأسرة. هذا الترتيب التراتبي للمهام له بُعدان: بُعدٌ تقنيٌّ يُحافظ على جودة المنتج، وبُعدٌ اقتصادي-اجتماعيٌّ يُفسِّر دور توارث العمل وحصره في الأسرة، ومنع الغرباء من ممارسة العمل.

وفي حال العمل في مؤسساتٍ كبرى، كورشات معمل النعسان، يأخذ تقسيم العمل صورةً صناعيةً أكثر تطوراً، فإن لكل صانعٍ عملاً ينجزه، فيأخذ العامل الذي يليه القطعة فيقوم بما هو مطلوب منه، ثم يأتي عاملٌ ثالثٌ ورابع. هذا التحول من النمط الأسري إلى النمط شبه الصناعي يُؤرِّخ – ضمنياً – لتحوُّلٍ بنيويٍّ في طبيعة الحرفة الدمشقية مع دخولها القرن العشرين، إذ بدأت تتشكَّل فيها أنماطٌ هجينةٌ تجمع بين خصوصية الصنعة التقليدية وضرورات الإنتاج التجاري.

وعلى المستوى الإجرائي، تتضح عملية التحضير الدقيقة التي تسبق النقش: تثبيت القطعة على “وسادة من الإسفلت” تحول دون ترجّ القطعة خلال عملية النقش أو التشعير ودق الرمل، وتحمي اللوح النحاسي من التجعّد أو الانثقاب خلال عملية النقش أو التنزيل. هذه التفاصيل التقنية الدقيقة تكشف عن مراكمةٍ معرفيةٍ طويلة، وعن تجريبٍ متراكمٍ يُؤكِّد أن الصنعة هنا تنتمي إلى ما يمكن تسميته بـ”المعرفة الصامتة” (tacit knowledge) التي تنتقل بالممارسة لا بالنص المكتوب.

 الاستمرارية والانقطاع

ثمة تأريخٌ دقيقٌ لتطور تقنية النقش والتكفيت في دمشق في القرن العشرين، إذ أُحدِث تطوّرٌ في الأساليب على يد السيد إسكندر معلوف بن يوسف دوناتو، وعن السيد إسكندر، أخذ أكثر معلّمي الحرفة الطريقة المعروفة حتى يومنا هذا (وهو ما يصل إلى عام 2004م). هذا التأريخ المباشر بشخصٍ واحدٍ كنقطة تحوُّلٍ تقنيةٍ يُذكِّرنا بالنمط السائد في الحرف الإسلامية، حيث يُنسَب التجديد إلى “معلم” (ustādh) بعينه، فيغدو اسمه علامةً على مرحلةٍ أسلوبية. ولكن هذا التحوُّل الإيجابي على مستوى التقنية لم يحلْ دون تحوُّلاتٍ سلبيةٍ على مستوى المضمون والذوق.

فقد رُصدت ظاهرةٌ مقلقةٌ مفادها أن أبناء هذه الأسر زهدوا في هذه الصنعة فانتقلت إلى جماعاتٍ أخرى، استعانت بنقاشين من القطر المصري وآخرين من أنحاءٍ أخرى، لكن هؤلاء انحصر العمل عندهم في تسريع العمل على حساب النوعية، ودون أي اعتبار لحرفية أعمال النقش هذه. وهنا تظهر إشكاليةٌ بنيويةٌ تواجه معظم الحرف التقليدية في عصر العولمة، تتمثل في انفصال “اليد” عن “الإرث الموضوعاتي”، فيغدو النقش حركةً ميكانيكيةً مكررةً تخلو من المرجعية الثقافية التي كانت تُغذِّيها.

والمخاوف صريحةٌ من أن يلهث هذا التيار وراء العمل التجاري والربح السريع على حساب الأصالة التي عرفت بها دمشق في مجال النقش والتنزيل بالذهب والفضة، أي التكفيت على النحاس التي نسبت إلى دمشق وعرفت لدى الأوربيين باسم (Damascening). هذه الملاحظة تستحق وقفةً تحليلية: إذ تُؤرِّخ لتحوُّلٍ مزدوج، أوله انتقال الحرفة من نظام الإنتاج العائلي/التقليدي إلى نظام السوق التجاري المُعولَم، وثانيه فقدان “المرجعية الموضوعاتية الدمشقية” لصالح موضوعاتٍ هجينةٍ تستجيب للذوق السياحي العام. وهنا يلتقي هذا التحذير مع ما رصده ميلوايت بشأن “إحياء النمط المملوكي” في القاهرة، حيث تُنتج قطعٌ على نمط المملوكي موجَّهةٌ للسوق الأوروبي والأمريكي بأسلوبٍ فقد هويته الإقليمية الأصلية.

سابعاً: المنظور المقارن: دمشق والقاهرة في “إحياء النمط المملوكي”

يُتيح ميلوايت في أنطولوجيته قراءةً مقارنةً بالغة الفائدة بين الممارسة الدمشقية ونظيرتها القاهرية في الفترة نفسها. فقد وصف والتر هيلدبرج (Walter Hildburgh) في مقالٍ نُشِر سنة 1908 ورشة التطعيم في القاهرة بصورةٍ تُماثل في تفاصيلها ما رُصد في دمشق، من حيث استخدام “وسادة من المركَّب البيتوميني” وتقسيم العمل بين الصانع الأول الذي يشكِّل القطعة والنقاش الذي يرسم التصميم بريشةٍ وحبر، ثم الكفّات الذي يُجري عملية التطعيم بمطرقةٍ خفيفةٍ وثلاثة مطارق منقاش. وقد بلغ من إتقان الصانع المصري أن تختفي حدود التحام الأسلاك، وتظهر القطعة بمظهر صفيحةٍ واحدةٍ متماسكة.

ويبرز هنا تشابهٌ بنيويٌّ بين المدينتين على مستوى تقنيات العمل وأدواته، إلى جانب اختلافٍ نسبيٍّ في طبيعة المعجم الزخرفي. فالقاهرة في تلك الفترة كانت أكثر التزاماً بـ”المنتج المملوكي المحاكِي”، بينما حافظت دمشق على تنوُّعٍ موضوعاتيٍّ أكبر يستوعب الإسلامي والمسيحي والعَجَمي، كما أوضحنا سابقاً. وهذا يقودنا إلى ملاحظةٍ تحليليةٍ أوسع: أن “إحياء النمط المملوكي” لم يكن ظاهرةً موحَّدةً في العالم العربي، بل أخذ في كل مدينةٍ شكلاً يعكس تركيبتها الاجتماعية وعلاقتها بسوق التحف والسياحة الأوروبية.

ومما يُؤكِّد هذه القراءة المقارنة ما يُلاحَظ في قاموس الصناعات الشامية بشأن الحرف ذات الصلة بالنحاس – وخاصةً النقش – من أن “المختصين بهذه التجارة هم خاصة الأنتكجية”، أي تجار التحف. وهذه الإشارة تكشف أن العلاقة بين الإنتاج الحرفي وسوق التحف لم تكن علاقةً عرَضيةً، بل علاقةً بنيويةً تُحرِّك ذوق المنتجين وتُعيد توجيه إنتاجهم نحو ما يُلبِّي شهية السوق الخارجي – وهو الأمر نفسه الذي تكرَّر التحذير منه بعد قرنٍ تقريباً.

قراءة تحليلية ختامية

تكشف القراءة المتأنية لمصادر صناعة النحاس الدمشقية عن طبقاتٍ متراكبةٍ من الدلالة. فالنص الذي قدَّمه القاسمي وابنه والعظم في قاموس الصناعات الشامية ليس مجرد وصفٍ معجميٍّ للحرف، بل هو شهادةٌ من “داخل” المدينة المُعاصرة لزمن تأليفه (أواخر القرن التاسع عشر)، وتتميَّز بدقتها الإثنوغرافية وحرصها على تسمية الأسواق والأدوات والمنتجات بأسمائها المحلية. وفي مقابل ذلك، تُقدِّم الدراسات اللاحقة – من موقع المؤرِّخ للصناعة في القرن العشرين – قراءةً ممتدةً عبر الزمن تربط الإنجاز المملوكي بالممارسة المعاصرة، وتُؤرِّخ لتحوُّلاتٍ بنيويةٍ كبرى تتعلق بتقسيم العمل، وانتقال الحرفة من الإطار الأسري إلى الإطار شبه الصناعي، وتأثير الأسواق العالمية في إعادة تشكيل الذوق المحلي.

كما يُتيح المنظور المقارن وضع الحالة الدمشقية في سياقها الإسلامي الأوسع، فيُظهِر أن ظاهرة “إحياء النمط المملوكي” التي رُصدت في القاهرة سنة 1908 لها نظائرها في دمشق وحلب، وأن السوق العالمية للتحف الإسلامية في القرنين التاسع عشر والعشرين أعادت تشكيل اقتصاديات الإنتاج الحرفي في المدن العربية الكبرى بصورةٍ متشابهة. ومع ذلك، تحتفظ كل مدينةٍ بخصوصيتها: فبينما اتجهت القاهرة إلى محاكاةٍ صريحةٍ للنماذج المملوكية، حافظت دمشق على تنوُّعٍ موضوعاتيٍّ يستوعب الإسلامي والمسيحي والعَجَمي، تمشّياً مع تركيبتها الاجتماعية المتعددة.

على المستوى التحليلي، يمكن استخلاص ثلاث قراءاتٍ مركَّبةٍ من المادة المعروضة. أولاها أن صناعة النحاس الدمشقية تجسِّد نموذجاً للصنعة التي يتداخل فيها البُعد النفعي والبُعد الجمالي والبُعد الرمزي تداخلاً عضوياً، فالطنجرة المنزلية والصينية المُكفَّتة بالذهب تنتميان إلى المنظومة نفسها، وتعملان معاً على تشكيل الفضاء البيتي الدمشقي. وثانيتها أن نظام الأسواق المتخصصة (“سوق النحاسين”) والتنظيم الأسري للإنتاج وفّرا – لقرونٍ طويلةٍ – آليةً ذاتيةً لضبط الجودة وحماية المعرفة الحرفية، وأن انهيار هذه الآلية أمام الضغوط الاقتصادية الحديثة فتح الباب أمام أزمةٍ في “الأصالة” تكرَّر الحديث عنها صراحةً. وثالثتها أن الحرفة لم تعد قابلةً للحماية بالأدوات الأهلية القديمة وحدها، بل تستدعي صياغةً مؤسسيةً جديدةً تجمع بين الحماية القانونية وبين الاعتراف الرمزي بالحرفة بوصفها جزءاً من الهوية الحضرية لدمشق.

وتظل ثمة آفاقٌ بحثيةٌ مفتوحةٌ تستحق التتبع المستقبلي، منها: دراسة سجلات المحاكم الشرعية الدمشقية لاستخلاص معلوماتٍ عن نزاعات النحاسين وعقودهم، وتحليل القطع المحفوظة في المتاحف العالمية (المتروبوليتان، المتحف البريطاني، فيكتوريا وألبرت) لمحاولة تأريخها وتوطينها بدقة، ودراسة مقارنة لتأثير الزائرين والسياح الأوروبيين في توجيه ذوق الإنتاج الدمشقي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وكلها مسائل تكشف أن صناعة النحاس في دمشق ليست موضوعاً منغلقاً على ذاته، بل عقدةٌ تاريخيةٌ-اجتماعيةٌ-اقتصاديةٌ تتشابك فيها خيوط المحلي والإقليمي والعالمي.

المصادر والمراجع

  • القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1960، ص 479-480
  • كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2006، ص 173-194
  • Hildburgh, Walter L. “The Manufacture of Inlaid Brasswork at Cairo.” The Burlington Magazine for Connoisseurs 12, no. 58 (1908): 215–216
  • Milwright, Marcus. “An Arabic Description of the Activities of Antiquities Dealers in Late Ottoman Damascus.” Palestine Exploration Quarterly 143, no. 1 (2011): 8–18
  • Milwright, Marcus. Islamic Arts and Crafts: An Anthology. Edinburgh: Edinburgh University Press, 2017, 95-100