توثيق: د. هلا قصقص
تنتمي صناعة الزجاج في دمشق إلى طبقة عميقة من تاريخ الحرف الشامية، إذ تتداخل فيها الذاكرة الحرفية الموروثة مع طبقات أركيولوجية تمتد إلى الألف الثاني قبل الميلاد. وقد شغلت هذه الصناعة موقعاً مركزياً في الاقتصاد الحضري الدمشقي طوال القرون الوسطى، حتى عُرف الزجاج المصنوع في المدينة بـ”الزجاج الدمشقي”، وصار اسماً تجارياً متداولاً في الأسواق الأوروبية والآسيوية على حد سواء. غير أن هذه الصناعة دخلت في القرن التاسع عشر مرحلة من التراجع البنيوي أمام منافسة المصنوعات الأوروبية، وهو ما يرصده محمد سعيد القاسمي بدقة في قاموس الصناعات الشامية، حيث يثبت أنّ ما تبقى من هذه الصنعة في أواخر العهد العثماني هو من “بقايا الصنائع المدروسة في دمشق”.
تسعى هذه المقالة إلى قراءة صناعة الزجاج الدمشقي بوصفها ظاهرة ثقافية ومادية مركّبة، تجمع بين البُعد التاريخي الممتد من العصور الكنعانية إلى العصر العثماني المتأخر، والبُعد التقني المتعلق بأساليب النفخ والتشكيل والزخرفة، والبُعد الاجتماعي – الحضري المتمثل في توطين الحرفة في حارات بعينها وتوارثها داخل عائلات محددة. وتعتمد المقالة على تقاطع المصادر التاريخية المكتوبة مع شهادات شيوخ الكار المعاصرين، بهدف رسم صورة بانورامية لحرفة لا تزال، رغم تهديدات الاندثار، تشتغل في ورشة وحيدة بدمشق.
ترتبط النشأة الأولى لصناعة الزجاج في الذاكرة الكلاسيكية بالساحل الكنعاني الفينيقي، وتحديداً بالمنطقة المحاذية لنهر “بهلوس” عند سفح جبل الكرمل، حيث تروي الرواية المنسوبة إلى بلينيوس الأكبر (Pliny the Elder) أنّ التجار الذين رسوا على ذلك الساحل وضعوا قطعاً من النَطرون – وهو ملح قلوي – تحت قدورهم، فحدث أن انصهر مع رمل الشاطئ النقي، فكانت تلك المصادفة النواةَ الأولى لاكتشاف مادة الزجاج. وسواء قبلنا هذه الرواية بوصفها حقيقة تاريخية أم اعتبرناها أسطورة تأسيسية، فإنّ الشواهد الأركيولوجية تؤكد أنّ بلاد الشام، إلى جانب مصر وفارس وبلاد الرافدين، كانت من أبكر مراكز إنتاج الزجاج في العالم القديم.
وقد عرف الصنّاع الأوائل أسلوبين رئيسيين في تشكيل الزجاج: الأول هو الضغط داخل قالب، إذ تُوضع العجينة الزجاجية بين فكّي قالب يُعرف بـالمكبس، فتأخذ شكله؛ والثاني، وهو الأهم تاريخياً، هو النفخ، الذي يعود إلى القرن الأول للميلاد. وقد ساهم هذا الأسلوب الأخير في نقل صناعة الزجاج إلى مرحلة جديدة، فاتسعت أشكالها وتعددت وظائفها، ويُجمع المؤرخون على أنّ الفضل في تطوير تقنية النفخ يعود إلى الصنّاع السوريين الذين كانوا يشكّلون – في زمن الرومان – المركز الرئيس لهذه الصناعة في الإمبراطورية، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى إيطاليا فأوروبا الغربية.
وفي العصر الإسلامي المبكر، استمر صنّاع الزجاج في بلاد الشام بممارسة عملهم وفق الأساليب الموروثة، حتى بلغت الصناعة ذروتها الأولى في القرن السابع للميلاد. ورغم اضطرابات الحروب الصليبية، نشطت تجارة الزجاج مع أوروبا على طول الساحل السوري، وظلت دمشق وحلب في المقدمة في صنع الزجاج وزخرفته، متفوقتين على أي صناعة أجنبية حتى نهاية القرن الخامس عشر. وقد عدّ الثعالبي صناعةَ الزجاج من خصائص أهل الشام، حتى ضُرب بها المثل القائل: “أرقّ من زجاج الشام”، فيما وصف الرحالة ابن بطوطة – حين نزل دمشق في القرن الرابع عشر – شوارعَ المدينة بأنها تضم حوانيت الجوهريين والكتبيين “وصنّاع أواني الزجاج العجيبة”.
بلغت صناعة الزجاج السوري درجة كبيرة من التقدم والازدهار في الفترة الممتدة بين القرنين العاشر والثاني عشر للميلاد، غير أنّ ذروتها الفنية تحققت في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، حين تكاملت تقنياتها مع صناعة المينا الزجاجية والتذهيب. ومن أبرز ما ميّز هذه المرحلة إنتاج الأواني والأكواب الزجاجية ذات الزخارف البارزة، المضافة إلى القطعة أو المضغوطة معها أثناء الصنع، بشكل يحيّر العقول بدقته وإتقانه. وقد كانت دمشق وحلب أهم مركزين لهذه الصناعة في تلك الحقبة، وغدت منتجاتهما، ولا سيما الزجاج المموّه بالميناء، تغمر أسواق أوروبا حيث أُطلق على المُذهَّب منه اسم الزجاج الدمشقي، ومن أبرز أنواعه مجموعات الأكواب ذات الحافات البرّاقة.
وتتلخّص طريقة صنع هذا الزجاج المزخرف بأنّ الصنّاع كانوا يأتون بالقطعة الزجاجية بعد شيّها، فيرسمون عليها نقوشاً وزخارف نباتية وهندسية، وأزاهير وكتابات، ثم يملؤون مكان الرسم بألوان الميناء (الأحمر والأصفر والأخضر والأزرق)، ومن ثمّ تُشوى القطعة ثانية فتتعشّق الميناء بالزجاج وتتماسك معه كقطعة واحدة. أمّا أسلوب الزخرفة فاختلف من عصر لآخر؛ فقد شاع استخدام الموضوعات الأدبية والكتابات والزخارف النباتية والحيوانية، فضلاً عن مشاهد المجالس الأدبية والصيد بالصقور ولعب الصولجان (البولو)، التي عكست ذوقاً قصرياً مرهفاً.
وقد حظيت هذه القطع بإعجاب الرحالة والحجاج والصليبيين الذين حملوا الكثير منها إلى بلدانهم. كما توصّل الصنّاع في تلك الحقبة إلى أساليب متقدمة في تلوين الزجاج بإضافة الأكاسيد المعدنية – وبخاصة أكاسيد الرصاص والقصدير – فضلاً عن استخدام مركبات النحاس للحصول على اللون الأخضر، وتوبال الحديد للأسود، وثاني أكسيد المنغنيز للون الخمري، والذهب لليواقت الأحمر، وحجر اللازورد للبنفسجي. واستمر هذا التفوق حتى نكبة دمشق على يد تيمورلنك مطلع القرن الخامس عشر، حين لم يكتفِ بتدمير المدينة بل أخذ معه مهرة الصنّاع إلى سمرقند، فانكسرت سلسلة التوارث الحرفي وتراجعت الصناعة بعدها تراجعاً لم تتعافَ منه كلياً.
يقدّم القاسمي في مدخل “زجّاج” وصفاً بالغ الأهمية للصناعة كما كانت تُمارَس في دمشق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، إذ يعرّف الزجّاج بأنه “من يعمل أواني الزجاج، كالقناديل والقناني والقطارميز والمرطبانات وغيرها”، ويحدد موقع المعمل المشهور بأنه قائم في “محلة الشاغور”. ويُورد القاسمي رواية مهمة من رئيس المعمل آنذاك، تكشف عن مصدر المادة الخام والعملية الإنتاجية الكاملة:
“إنّ معدن الزجاج الدمشقي مغارات في جبل عذرا، إحدى قرى دمشق، تبعد عنها نحو أربع ساعات، يُجلب منها، ثم يوضع في تنور هو والقَلي، فيشرب بعضه من بعض ويمتزج، ثم ينقل إلى تنور آخر، فيسبك بعضه بعضاً، حتى يصير كالعجين، ثم يُسحب وينقل إلى تنور آخر، حيث أُعدت آلة الشغل والصناعة في تنويع ما يراد منه”.
تتضمن هذه الفقرة التقنية خلاصة العملية الإنتاجية في ثلاث مراحل تنوّرية متعاقبة: مرحلة المزج التي يلتقي فيها معدن الزجاج بـالقَلي (الرماد القلوي المستخرج من نباتات صحراوية)، ومرحلة السبك التي تصل بالخليط إلى قوام “العجين”، ثم مرحلة التشكيل النهائي. ومن اللافت في هذا الوصف ربطه المباشر بين الموقع الجغرافي للمادة الخام (مغارات جبل عذرا) والورشة الحضرية (محلة الشاغور)، وهو ربط يعكس بنية اقتصادية – مكانية متكاملة كانت تُغذّي الورشات الدمشقية لقرون.
غير أنّ ما يلفت النظر في نص القاسمي هو الوعي النقدي بالموقع المتراجع للصناعة المحلية أمام المنتج الأوروبي. فهو يقول صراحة:
“ثم الزجاج المعمول عندنا هو دون البلور الذي يرد من بلاد أوروبا، لأنّ الزجاج الذي يعمل عندنا يضرب لونه إلى الخضرة، وذاك أبيض نقي، بحسب جودة المعدن ورداءته. ومن الجيد تصنع الزجاجات النفيسة المعروفة بالكؤوس، والزبادي وغيرها”.
هذا التمييز بين “الزجاج” المحلي ذي اللون المخضرّ والبلور الأوروبي الناصع البياض ليس وصفاً تقنياً محايداً فحسب، بل هو تشخيص لأزمة بنيوية. فقد كانت الصناعة الزجاجية الأوروبية – ولا سيما البندقية ثم بوهيميا – قد طوّرت منذ القرن الثالث عشر تقنيات إزالة الشوائب الحديدية المسؤولة عن المسحة الخضراء في الزجاج التقليدي، فأنتجت زجاجاً شبه شفاف نافس الزجاج الشامي في موطنه. ويُلمح القاسمي إلى هذا الانقلاب التجاري حين يصف صناعة الزجاج الدمشقي بأنها “من بقايا الصنائع المدروسة في دمشق”، ويقرنها في هذا التراجع بصناعة القيشاني التي “أعجزت صنعتها الأوربيين” في الماضي، ثم انقلب الحال فصار السياح الأوروبيون “يشترون قِطعه المعروفة عند مجيئهم إلى بلادنا بأغلى ثمن، كغيره من القطع القديمة المعروفة بالأتيكة”.
وفي هذا التحوّل من المنتج الحرفي إلى الأنتيكة (antique) دلالة بالغة على إعادة موضعة الزجاج الدمشقي في الاقتصاد الرمزي للحداثة الأوروبية: لم يعد سلعة استعمالية تُباع بقيمتها الوظيفية، بل صار شاهداً تراثياً يُقتنى لقيمته التاريخية والجمالية. وهذا ما يُسجّله القاسمي بحدّة، حين يلاحظ أنّ التجار الأجانب “يشترون قطعه المعروفة عند مجيئهم إلى بلادنا بأغلى ثمن”.
تُجسّد ورشة عائلة الحلاق في حي باب شرقي – وهي اليوم الورشة الوحيدة المتبقية لنفخ الزجاج اليدوي في سوريا – استمراريةً مدهشة لتقنية تعود في أصولها إلى القرن الأول الميلادي. وتكشف الشهادة الميدانية الموثّقة لـشيخ الكار أحمد الحلاق، الذي بدأ تعلّم الحرفة في السابعة من عمره وبدأ الإنتاج الفعلي في الثانية عشرة، عن نسق إنتاجي يكاد يطابق ما وصفه القاسمي قبل قرن ونصف، باستثناء تحديثات جزئية مسّت المواد الخام وبنية الفرن.
تتألف العملية من سلسلة مراحل متلازمة. تبدأ بتجميع المادة الخام، التي كانت تاريخياً تُستخرج من رمل المازار (الرمل السيليسي العالي النقاء)، وصارت اليوم تعتمد على بقايا الزجاج المكسّر المُعاد تدويره، في تحوّل يعكس واقع شُح الموارد وتغيّر سلاسل التوريد. تُوضع المادة الخام في الفرن الذي يتألف من ثلاث حجرات متدرجة الحرارة: حجرة الصهر التي تبلغ حرارتها 1200 درجة مئوية، تليها حجرة العمل بحرارة 1000 درجة، ثم حجرة التخمير – أو حجرة التبريد المتدرّج (التلدين، annealing) – التي تنخفض حرارتها من 600 درجة إلى 100 درجة على نحو متدرج يضمن استرخاء البنية الجزيئية للزجاج ويمنع تشقّقه.
وتفرض هذه البنية الحرارية اشتراطاً تشغيلياً صارماً: فالفرن لا يُطفأ إطلاقاً، إذ يؤدي الإطفاء وإعادة التشغيل المتكرر إلى تدهور بنيته الداخلية. ويُبرز هذا الاشتراط أحد أهم التحديات الراهنة التي يواجهها شيخ الكار المعاصر، ألا وهو شُح مخصصات المازوت اللازم لتشغيل الفرن على مدار الساعة، فضلاً عن انقطاع التيار الكهربائي. وقد كان الفرن قديماً يُشيّد من حجر البازلت، أمّا اليوم فيُبنى من الآجر الحراري (refractory brick) لقدرته على تحمّل دورات تشغيل أطول.
بعد انصهار الزجاج، يتحول إلى خيوط لزجة تُسمى في اصطلاح الحرفيين الدمشقيين الكَرْخة، يبدأ الصانع بسحبها على طرف الحديدة (قصبة النفخ، blowpipe) لتشكيل القطعة الجديدة. وتعتمد عُدّة العمل التقليدية على عدد محدود من الأدوات: حديدتان للنفخ، وحديدة مغلقة للتلزيق، وحديدة صغيرة لتركيب الأجزاء الصغيرة، ومقص حديد مربع لفتح فوهة القطعة وتشكيلها. أمّا التلوين فيتمّ خلال عملية التشكيل ذاتها، إذ يستطيع شيخ الكار استدعاء طيف من الألوان (الأحمر، الأزرق، الزيتي، الأخضر، والأبيض) بإضافة الأكاسيد المعدنية المناسبة إلى العجينة الزجاجية وهي في حالتها اللزجة.
لم تكن صناعة الزجاج في دمشق نشاطاً اقتصادياً مجرداً، بل كانت مكوّناً عمرانياً واجتماعياً صاغ هويةً مكانية لأحياء بأكملها. فقد ذكر القاسمي تموضع المعمل المشهور في “محلة الشاغور”، وهي حارة جنوب المدينة القديمة كانت تضم أيضاً عدداً من الصناعات النارية الأخرى، مثل الفخار والصابون. وتشهد الطبوغرافيا الحرفية لدمشق في القرن التاسع عشر على نمط من توطين الحرف (clustering) يجمع الصناعات المتشابهة في أحياء بعينها، وفق منطق يستجيب لاعتبارات السلامة (إبعاد الأفران عن المراكز السكنية)، والكفاءة (تشارك الموارد والأيدي العاملة)، والرقابة (سهولة إشراف المحتسب على الأسواق الحرفية).
بل إنّ المدينة احتفظت في ذاكرتها العمرانية بأحياء سُميت باسم الحرفة ذاتها، أبرزها حي القزّازين نسبةً إلى القزّاز – وهو الاسم القديم للزجّاج. كما برزت عائلات جعلت من الزجاج اسماً لها ومصدراً لرزقها، أبرزها عائلتا القزّاز والحلاق، اللتان احتكرتا تعلّم الحرفة وتعليمها داخل النسق العائلي. وقد توسّعت دائرة التعليم لاحقاً لتشمل أبناء البنات، حرصاً على استمرارية المعرفة الحرفية في وجه ضغوط الانقطاع الديموغرافي والاقتصادي.
ومنذ نحو ستة وخمسين عاماً، انتقلت الورشة الرئيسة من الشاغور إلى حي باب شرقي، حيث تستمر اليوم باعتبارها الورشة الوحيدة المتبقية لنفخ الزجاج اليدوي في سوريا. ويعكس هذا الانتقال المكاني ضغوطاً متراكبة: الضغط العمراني الناتج عن تكثيف العمارة السكنية في النسيج التقليدي، والضغط البيئي – الصحي المتعلق بإبعاد الأفران عن الأحياء السكنية المكتظة، فضلاً عن الضغط الاقتصادي المتعلق بتوافر العقارات الصناعية بأسعار في متناول الحرفي.
تكشف القراءة المتقاطعة بين النص التاريخي للقاسمي والشهادة الميدانية المعاصرة عن مفارقة بنيوية: فالتقنية ذاتها التي وصفها القاسمي قبل قرن ونصف لا تزال تُمارَس اليوم بأدواتها وتسلسلها الأصلي تقريباً، لكنّ بنيتها الاقتصادية والاجتماعية تتآكل بسرعة. ولم يكن هذا التآكل وليد الحرب الراهنة فحسب، بل هو امتداد لمسار طويل من التراجع بدأ مع الثورة الصناعية الأوروبية، وعمّقته ضغوط القرن العشرين، ووصل اليوم إلى نقطة حرجة بفعل أزمات الطاقة وانقطاع سلاسل التوريد.
وما يجعل صناعة الزجاج الدمشقي حالة دراسية فريدة في تاريخ الحرف الشامية هو تشابكها العميق مع تعريف المدينة لنفسها. فحين كتب القاسمي مدخل “زجّاج”، كان يدوّن – بشكل غير مباشر – شهادةَ مدينة على ذاتها في لحظة انتقال؛ مدينة تعرف أنّ صناعتها العريقة لم تعد تنافس البلور الأوروبي، لكنها تصرّ على أن تسجّل تفاصيلها قبل أن تختفي. وفي ضوء ذلك، يصبح توثيق الشهادات الحية لـشيوخ الكار المتبقّين، إلى جانب القراءة النقدية للمصادر التاريخية، مهمةً علميةً وأخلاقية في آن: ليس بهدف تحنيط الحرفة في خانة التراث المتحفي، بل لفتح إمكان استمراريتها كممارسة حية، عبر سياسات دعم تستهدف المواد الخام، والطاقة، والتسويق، ونقل المعرفة بين الأجيال.
إنّ زجاجاً يضرب لونه إلى الخضرة – بحسب وصف القاسمي – ليس عيباً تقنياً يحتاج إلى تصحيح بمقاييس البلور الأوروبي، بل هو توقيع مادي لذاكرة طويلة من العلاقة بين رمل جبل عذرا وأفران الشاغور، ولأنفاس أجيال متعاقبة من النفّاخين الذين حملوا هذه الذاكرة من فوهة قصبة إلى أخرى. ومن هنا، فإنّ الحفاظ على هذه الصناعة ليس استدعاءً نوستالجياً لماضٍ مغلق، بل إصرار على أن تظل المدينة قادرة على إنتاج موادها بيديها، وأن تظل تروي قصتها بصوت أهلها لا بصوت الآخرين.
المصادر والمراجع