جديدنا في رواق العلماء


حفل إطلاق رواق

شهدت المكتبة الوطنية في دمشق مساء الخميس بتاريخ 26 آذار افتتاح ملتقى رواق لحفظ التراث السوري، في فعالية حملت طابعاً رسمياً وثقافياً وفنياً، وجمعت باحثين ومختصين وحرفيين ومهتمين بالشأن التراثي. وجاء هذا الافتتاح ليعلن انطلاق مشروع يسعى إلى التعامل مع التراث السوري بوصفه ذاكرة حيّة تتجاوز حدود التوثيق التقليدي، وتربط بين الإنسان والمكان والتاريخ والممارسة اليومية.

افتُتح الحفل بفقرة للحكواتي، قدّم خلالها سرداً بصرياً وحكائياً عن سوريا وتراثها، في مشهد رمزي وضع الحضور منذ البداية أمام الفكرة الأساسية التي يقوم عليها الملتقى: التراث ليس مجرد ماضٍ محفوظ في الكتب أو المعروضات، بل تجربة حيّة تستمر عبر الحكاية والصورة والصوت والمأكولات والممارسات اليومية. ومن هذا المدخل، بدا رواق مشروعاً يطمح إلى بناء صلة متجددة بين الماضي والحاضر، وإلى حفظ المعنى الإنساني الكامن في عناصر التراث المادي وغير المادي.

وفي كلمته خلال الافتتاح، شدد وزير الثقافة محمد ياسين الصالح على أن إطلاق الملتقى ينسجم مع توجه الوزارة نحو تعزيز الشراكة في العمل الثقافي، باعتبارها خياراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه في حماية الهوية الوطنية. وأشار إلى أن “رواق” لا يمثل مجرد مبادرة عابرة، بل خطوة عملية لتحويل الجهود الفردية إلى أثر مؤسسي أوسع وأكثر استدامة. كما أكد أن صون التراث مسؤولية جماعية تستدعي تعاون المؤسسات الرسمية مع الباحثين والمجتمعات المحلية، لافتاً إلى ضرورة تطوير أدوات التوثيق، وتوسيع حضور التراث في التعليم والإعلام، والتصدي لمحاولات تشويه الهوية السورية. وربط الوزير بين التراث والوحدة الثقافية، معتبراً أن الثقافة والفنون والدراما تشكل مساحات أساسية لإبراز التنوع السوري ضمن إطار جامع.

ومن جهتها، عرضت مديرة الملتقى الدكتورة هلا قصقص ملامح الرؤية العملية التي انطلق منها رواق، موضحة أن العمل خلال الأشهر الثلاثة الماضية تركز على توثيق الحرف بوصفها جزءاً من الذاكرة الثقافية السورية. وبيّنت أن الملتقى يعتمد في عمله على بنية تنظيمية واضحة تشمل وحدات للتنسيق، والمنصة الرقمية، والتوثيق، والتحرير، والترجمة، بما يسمح ببناء مشروع متكامل يجمع بين البحث الميداني والعمل التحريري والتقني. كما أوضحت أن نطاق الملتقى لا يقتصر على الحرف وحدها، بل يمتد ليشمل الفنون والأزياء والعمارة والتراث الغذائي، في مقاربة واسعة ترى إلى التراث باعتباره شبكة مترابطة من المعارف والممارسات والمنتجات الثقافية.

وفي هذا السياق، أعلنت الدكتورة هلا قصقص عن خطة خمسية تمتد بين عامي 2026 و2030، تقوم على تنفيذ مشاريع سنوية مركزة، مع إعطاء الأولوية هذا العام لـرواق الحرف ورواق الأطعمة. كما أشارت إلى العمل على تأسيس أرشيف بصري ووثائقي شامل يستند إلى مصادر مكتوبة وميدانية، ومن أبرزها “قاموس الصناعات الشامية”، بما يضمن أن يكون التوثيق قائماً على أسس علمية دقيقة تجمع بين المرجع المكتوب والشهادة الحية والمادة البصرية.

ولم يقتصر الحفل على الكلمات الرسمية، بل أفسح المجال أيضاً لأصوات تنطلق من قلب التجربة التراثية نفسها. فقد تحدث الحرفي موفق محفوظ عن الزخرفة الدمشقية بوصفها حرفة تحمل أبعاداً جمالية وروحية في آن معاً، وتختزن في تفاصيلها علاقة عميقة بين الخط العربي والدقة الحرفية والامتداد التاريخي. وفي مداخلته، بدا واضحاً أن الحرفة التقليدية ليست مجرد تقنية إنتاج، بل حاملة لذاكرة ثقافية متوارثة تنتقل عبر الأجيال.

كما تناول مدير “رواق الأرشيف والصورة” أحمد استنابولي أهمية الصورة الفوتوغرافية في صون التراث، مشيراً إلى أن الصورة لا توثق الشكل الخارجي للأشياء فقط، بل تكشف أيضاً عن ملامح الحياة اليومية وتكوين المدن وتحولات المجتمع. ومن هذا المنظور، قدّم الصورة باعتبارها أداة أساسية في مقاومة الاندثار، وعنصراً مركزياً في نشوء فكرة “رواق” نفسها كمبادرة لحماية التراث السوري.

أما ختام الحفل فجاء موسيقياً، من خلال فقرة مستلهمة من التراث السوري قدّمها عازفون على آلات شرقية بمشاركة كورال من طلاب المعهد العالي للموسيقا، في مشهد عزز الطابع الاحتفالي للفعالية، وأكد أن التراث لا يُصان بالوثيقة وحدها، بل أيضاً بالأداء الحي وإعادة التفاعل معه في الفضاء العام.

وعلى هامش الحفل، حملت التصريحات مزيداً من الإضاءة على أبعاد المشروع. فقد أكد وزير الثقافة أن “رواق” تطور من فكرة فردية إلى مشروع جماعي يحظى بدعم الوزارة، بما يهدف إلى تمكين الطاقات الشابة وتعزيز المشهد الثقافي الوطني. ورأى أن الملتقى يمكن أن يشكل مساحة للتعريف بالموروث السوري، وتقوية الروابط الثقافية بين المحافظات، والمساهمة في تقديم الثقافة السورية إلى الخارج بصورة أعمق وأكثر اتساقاً.

ومن جانب آخر، لفتت الشيف ملكة جزماتي، إلى أن المطبخ السوري لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي والثقافي، لأنه يحمل في أطباقه وأساليبه وطقوسه اليومية حكايات الناس وأنماط عيشهم. أما الفنان التشكيلي ومدرس الخط العربي أحمد كمال، فرأى في المبادرة خطوة مهمة لإبراز الهوية الثقافية السورية وصون المخطوطات والفنون التراثية بوصفها ركائز لا تحفظ الماضي فقط، بل تسهم أيضاً في بناء المستقبل.

بهذا المعنى، بدا افتتاح ملتقى “رواق” أكثر من مناسبة احتفالية؛ لقد ظهر بوصفه إعلاناً عن مشروع وطني يسعى إلى إعادة تنظيم العلاقة مع التراث السوري على أسس علمية ومجتمعية معاً. فهو لا يكتفي بجمع المادة التراثية أو عرضها، بل يعمل على تحويلها إلى مجال للبحث والتوثيق والتوعية والتفاعل الثقافي. ومن هنا، تكتسب هذه المبادرة أهميتها، لأنها تنطلق من فهم للتراث باعتباره جزءاً من الحياة السورية الراهنة، وعنصراً فاعلاً في صياغة الوعي بالهوية، وفي وصل السوريين بتاريخهم وذاكرتهم المشتركة.