توثيق: أحمد خالد اليغشي وهتون مقرش
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الكمرجي من الحرف النسيجية المرتبطة بتاريخ اللباس التقليدي في دمشق وسوريا عموماً، لأنها لا تختص بصناعة حزامٍ وظيفي فحسب، بل بقطعة حملت دلالات اجتماعية وجمالية وصحية في الذاكرة المحلية. فالزنار أو الكمر لم يكن مجرد شريط يُشدّ به الوسط، بل كان جزءاً من هيئة اللباس، وعنصراً منظماً لعلاقة الجسد بالثوب، ولا سيما في القنباز والشروال والملابس الدمشقية القديمة. ومن هنا تأتي أهمية الكمرجي بوصفه صانعاً لقطعة صغيرة في حجمها، لكنها واسعة الدلالة في علاقتها باللباس والطبقة الاجتماعية والمهارة اليدوية.
يعرف قاموس الصناعات الشامية الكمرجي بأنه صانع الأكمار، والكمر بفتح الكاف والميم هو ما يُشدّ به الوسط كالزنار. ويذكر القاموس أن طريقة عمله تقوم على مدّ سدى من الصوف المبروم، ثم حياكته باللحمة، وصناعة أشكال وألوان مختلفة منه، قبل أن تُضاف إليه أجزاء معدنية تساعد على تثبيته حول الوسط. هذا التعريف يضع الحرفة ضمن مجال النسيج اليدوي، لكنه يكشف أيضاً أنها حرفة تركيبية تجمع بين الخيط، والنول، والنقشة، والوظيفة الجسدية للقطعة.
ارتبط الكمر تاريخياً باللباس الدمشقي القديم، إذ كان يوضع فوق القنباز أو الشروال أو غيرهما من أشكال اللباس التقليدي، كما ارتبط بلباس المولوية وبهيئات اجتماعية مخصوصة. ولم يكن الزنار متاحاً دائماً لكل الفئات بالدرجة نفسها، إذ تشير الرواية الميدانية إلى أن بعض أنواعه كان يُصنع من خيوط الحرير، لا من الصوف وحده، مما جعله قطعة ذات قيمة مادية وجمالية في آن واحد. لذلك يمكن النظر إلى الكمر لا بوصفه إكسسواراً مكملاً، بل بوصفه علامة من علامات الأناقة التقليدية، وضبط الهيئة، وإبراز الوقار في المجال الاجتماعي.
في دمشق، ارتبطت الحرفة بسوق السروجية، وهو ارتباط ذو دلالة؛ فالسوق نفسه يحيل إلى عوالم الجلد، واللجام، واللوازم المرتبطة باللباس والحيوان والحركة اليومية. وجود الكمرجي في هذا السياق يكشف طبيعة الحرف الدمشقية بوصفها شبكات متداخلة، لا وحدات منفصلة. فالزنار يتصل بالنسيج، لكنه يجاور حرفاً أخرى تتعلق بالخيل والجلود واللباس، وهذا ما يفسر محاولة الحرفي المعاصر توسيع الحرفة نحو مستلزمات الخيل وبعض المنتجات الأخرى، في محاولة لإنقاذها من الانحسار.
تبدأ صناعة الكمر بتسدية الخيط المحلي المبروم، أي إعداد الخيوط الطولية التي ستشكل بنية النسيج. ثم تُدخل الخيوط بحسب ألوانها ضمن ثقوب الشبرة، وهي قطع جلدية مثقوبة تسمح بتنظيم مسار الخيوط وفق النقشة المطلوبة. وتذكر الرواية الميدانية أن عدد الشبرات قد يصل إلى سبعين شبرة، وفي كل شبرة أربعة ثقوب، أي ما يقارب مئتين وثمانين خيطاً. هذه الأرقام لا تعبر عن تفصيل تقني فحسب، بل تكشف دقة النظام الحرفي الذي يقوم على الحساب، والتكرار، والذاكرة البصرية، والتحكم بحركة الخيط.
ومن أدوات الحرفة النول اليدوي البسيط، والسيف الخشبي الذي يُستخدم لدق الخيوط وضبطها، واللحمة التي تمر بين خيوط السدى بطريقة قريبة من عمل المكوك. في كل مرحلة، تُدخل الخيوط وتُرصّ وتُضبط داخل النقشة، حتى يتكون الشريط المنسوج شيئاً فشيئاً. وعند نهاية الحياكة تُترك أطراف الزنار إما على شكل شناشيل تُضفر كما يُضفر الشعر، أو تُنجز بطريقة قماشية مختلفة بحسب نوع الزنار، إن كان للرجال أو النساء أو الأطفال. وهنا تظهر الحرفة بوصفها معرفة دقيقة باليد، لا مجرد إنتاج آلي لشريط طويل.
تكشف النقشات المرتبطة بالكمر عن غنى بصري لافت. فقد ذكر الحرفي محمد السيروان، المعروف بأبي فراس، وجود نقشات متعددة مثل النقشة الأموية، والدمشقية، والعجمية العثمانية، والتركية، والزكزاك، والسنبلة، إضافة إلى نقشات خاصة تطلبها بعض الفرق أو الجهات بحسب لباسها. وهذه النقشات تجعل الزنار حاملاً لذاكرة بصرية متعددة الطبقات، حيث يتحول الخيط إلى سجل صغير للأذواق، والأنماط، والعلاقات بين المدينة ومحيطها.
تقوم الحرفة أيضاً على انتقال المعرفة بين الأجيال. فقد تعلم أبو فراس الحرفة بداية من والده، ثم حاول استكمال أسرارها عبر سؤال بعض الحرفيين القدامى، قبل أن ينتقل إلى التجريب والتعليم الذاتي. وترد في الرواية الشفوية حكاية لافتة عن رؤية والده في المنام في لحظة عجز تقني، وكأن المعرفة الحرفية لا تنتقل فقط عبر التعليم المباشر، بل عبر الذاكرة العائلية، والاختبار، والحدس، والعلاقة العاطفية مع المهنة. هذه الرواية لا ينبغي قراءتها بوصفها تفصيلاً غريباً فحسب، بل بوصفها دليلاً على أن الحرفة في المخيال الحرفي ميراث روحي ومهني معاً.
وتنسب الرواية الشفوية إلى الزنار الصوفي فوائد صحية، منها دعم الظهر، والمساعدة في حالات مرتبطة بآلام الفقرات، واستخدامه بعد الولادة لمساعدة الجسد على استعادة تماسكه. وبغض النظر عن الحاجة إلى التحقق العلمي من هذه الروايات، فإن حضورها في ذاكرة الحرفي يدل على أن الكمر لم يكن يُفهم بوصفه قطعة لباس فقط، بل بوصفه قطعة ملاصقة للجسد، تحفظه وتدعمه وتمنحه شعوراً بالتماسك. وهذا المعنى الجسدي يميز الزنار عن كثير من عناصر اللباس الأخرى، لأنه يتوسط العلاقة بين الثوب والحركة والراحة.
تراجعت حرفة الكمرجي مع تغير أنماط اللباس، وتراجع القنباز والشروال والملابس التقليدية، وانتشار الأحزمة الجلدية والملابس الحديثة. ولم يكن التراجع نتيجة ذوقية فقط، بل نتيجة تحول اجتماعي أوسع أفقد الزنار سياقه اليومي. فعندما تغيّر اللباس، تراجعت الحاجة إلى القطعة التي كانت تنظمه. كما أن الحرفة نفسها بقيت يدوية خالصة، ولم تدخل عليها الآلات الكهربائية، مما جعل إنتاجها بطيئاً ومكلفاً؛ إذ يحتاج الحرفي إلى نحو عشر ساعات عمل لإنجاز زنار واحد بطول يقارب ثلاثة أمتار ونصف.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الحرفة بوصفها منتهية تماماً. فهي ما زالت موجودة بشكل محدود جداً، من خلال ما يرويه التوثيق الميداني عن استمرار أبو فراس في ممارستها، ومحاولته تطوير النقوش وتطبيقها على منتجات أخرى أكثر قابلية للتداول، إضافة إلى العمل أحياناً على مستلزمات الخيل. هذا البقاء المحدود يجعل توثيق الحرفة أمراً ملحاً، لأن ما يوشك على الاندثار ليس الزنار وحده، بل منظومة كاملة من المعرفة: النول، والشبرة، والسيف الخشبي، وطريقة إدخال الخيوط، وضبط النقشة، ومعرفة الأطوال، وتمييز الاستخدامات الاجتماعية للقطعة.
تُظهر حرفة الكمرجي كيف يمكن لقطعة منسوجة ضيقة أن تختصر تاريخاً واسعاً من العلاقة بين اللباس والجسد والمدينة. فالزنار انتقل من كونه جزءاً طبيعياً من الهيئة اليومية إلى قطعة تراثية نادرة تستدعي زمناً مضى، بينما وجد الحرفي نفسه أمام مهمة مزدوجة: الحفاظ على الذاكرة، ومحاولة تحويلها إلى منتج قابل للحياة. لذلك فإن حفظ هذه الحرفة لا يعني عرض الزنار بوصفه أثراً قديماً فحسب، بل توثيق تقنياته، وأدواته، ونقوشه، ومصطلحاته، وأسواقه، وسيرة آخر صنّاعه، بوصفها جزءاً من الذاكرة الحية للتراث السوري.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، ص. 393.
اليغشي، أحمد خالد، وهاتون مقرش. «نموذج توثيق حرفة الكمرجي». توثيق ميداني، دمشق، سوق السروجية، 12 أيار/مايو 2026، مقابلة مع المهندس محمد السيروان أبو فراس.