حِرفة تحت الضوء: خمسة أبواب إلى ذا كرة الحرفة السورية
في قلب دمشق القديمة، وبين أروقة قصر العظم التي تحمل في عمارتها آثار قرون من المعرفة الفنية والحرفية، أقام ملتقى رِواق للتراث السوري فعالية «حِرفة تحت الضوء»، برعاية وزارة الثقافة ومحافظة دمشق، على مدى ثلاثة أيام، في محاولة لإعادة توجيه الأنظار إلى واحد من أكثر مكونات التراث السوري أهمية وهشاشة في الوقت نفسه: الحرفة التقليدية وحاملها، الحرفي.
لم تكن الفعالية معرضاً للمنتجات التراثية بالمعنى التقليدي، ولم يكن الهدف منها استعادة الماضي بصورة احتفالية أو نوستالجية. انطلقت «حِرفة تحت الضوء» من سؤال أكثر إلحاحاً: ماذا يحدث للحرفة عندما يرحل آخر من يعرف أسرارها؟
اختار رِواق خمس حرف تقليدية ترتبط بذاكرة دمشق وتواجه اليوم تحديات حقيقية في الاستمرار: الكمارجي، والقمرجي أو صانع الزجاج المعشّق، والحائك، وصانع الزجاج المنفوخ يدوياً، والحفّار على النحاس. واجتمعت هذه الحرف في مكان واحد، لا من خلال القطع النهائية وحدها، وإنما من خلال حضور الحرفيين أنفسهم، والعروض الحية، والحديث المباشر عن المواد والأدوات وتقنيات الصناعة وطرق انتقال المعرفة بين الأجيال.
وهنا تكمن الفكرة الأساسية للفعالية: فالتراث الحرفي ليس مجموعة أشياء جميلة نحتفظ بها، وإنما منظومة معرفة حيّة؛ وإذا اختفى حامل هذه المعرفة، فإن حفظ القطعة وحدها لا يكفي لحفظ الحرفة.
خمس حرف… وخمس ذا كرات حيّة
اختيار الحرف الخمس لم يكن قائماً على جماليات منتجاتها فقط، بل على ما تمثله من تنوع في البيئة الحرفية الدمشقية. فمن النسيج والخيط إلى المعدن، ومن الزجاج المصهور إلى الضوء المار عبر الزجاج الملوّن، تكشف هذه المهن عن معرفة دقيقة بالمواد، وعن علاقة طويلة بين الحرفي والعمارة والحياة اليومية في المدينة.
الكمرجي: حرفة الحزام الصوفي التقليدي
من الحرف النادرة التي سلّطت عليها الفعالية الضوء حرفة الكمرجي، أي صناعة الكُمُر أو الأحزمة التقليدية التي شكّلت في الماضي جزءاً من اللباس المحلي.
يعتمد العمل على الصوف الطبيعي وعلى خبرة الحرفي في إعداد المادة وتشكيل الحزام وفق تقنيات يدوية متوارثة. ولا تكمن قيمة الكمر في وظيفته كقطعة من اللباس فحسب، بل في ارتباطه بتاريخ الزي المحلي وأنماط الحياة والعادات الاجتماعية التي كانت سائدة في دمشق ومدن سورية أخرى.
ومثل كثير من عناصر اللباس التقليدي، تراجعت الحاجة اليومية إلى هذه المنتجات مع تغير أنماط الثياب والحياة، فتراجع معها عدد العاملين في صناعتها. وهنا يظهر أحد التحديات الأساسية التي تواجه الحرف التقليدية: فاختفاء الاستخدام اليومي للمنتج قد يقود تدريجياً إلى اختفاء المعرفة اللازمة لصناعته.
وخلال الفعالية، قدّم الحرفي محمد السيروان هذه الحرفة للجمهور، شارحاً طبيعة العمل بالصوف وأهمية استمرار نقل المعرفة المرتبطة بها. ولم يكن عرض الكمارجي مجرد تعريف بقطعة لباس قديمة، بل استعادة لحلقة شبه غائبة من تاريخ اللباس والحياة الاجتماعية السورية.
القمرجي: حين يتحول الضوء إلى جزء من العمارة
أما القمرجي، فهو الحرفي الذي يعمل في صناعة الزجاج المعشّق المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالعمارة الدمشقية التقليدية.
في البيوت الدمشقية، لم تكن النوافذ مجرد فتحات تسمح بدخول الضوء. فقد تحولت من خلال الزجاج الملوّن والتكوينات الجصية إلى عناصر فنية تصنع علاقة متغيرة بين الداخل والخارج، وبين الضوء واللون والفراغ.
يقوم العمل على إعداد تكوينات زخرفية تُدمج فيها قطع الزجاج الملوّن ضمن قوالب من الجص، لتتشكل وحدات هندسية ونباتية تتغير ألوانها وحضورها بتغير الضوء خلال ساعات النهار.
وتتطلب هذه الحرفة معرفة متداخلة بالزخرفة والرسم والقياس وخصائص الزجاج والجص، فضلاً عن قدرة كبيرة على الدقة والتنفيذ. ولهذا فإن ما يبدو للناظر نافذة جميلة هو في الحقيقة نتيجة سلسلة طويلة من العمليات والخبرات المتراكمة.
قدّم الحرفي فايز تلمساني خلال «حِرفة تحت الضوء» نموذجاً حياً لهذه المعرفة، موضحاً للجمهور مراحل العمل وتقنياته. وأعاد وجود القمرجية داخل قصر العظم الحرفة إلى سياق معماري يشبه السياقات التي كانت جزءاً منها تاريخياً، فأصبح الضوء نفسه عنصراً من عناصر العرض.
الحائك: ذا كرة دمشق المنسوجة
إذا كانت بعض الحرف ترتبط بعناصر العمارة، فإن الحياكة اليدوية ترتبط بتاريخ كامل من الإنتاج الدمشقي الذي حمل اسم المدينة إلى خارج حدودها.
شكّلت المنسوجات أحد أبرز وجوه الصناعة التقليدية في دمشق، وارتبطت المدينة بأنواع من الأقمشة الفاخرة، من بينها البروكار الدمشقي والدامسكو والصايات، وهي منتجات تقوم على معرفة دقيقة بالنول والخيوط والبنية النسيجية والزخرفة.
في الحياكة اليدوية لا يصنع الحرفي سطحاً مزخرفاً فحسب؛ فالزخرفة نفسها تتكون أثناء بناء النسيج. كل خيط جزء من نظام، وكل خطأ في ترتيب الخيوط أو شدّها يمكن أن يغيّر النتيجة النهائية.
وعرض الحرفي ماهر ديركي خلال الفعالية جانباً من تقاليد النسيج الدمشقي، موضحاً طبيعة البروكار والحرير المستخدم فيه، واستخدام خيوط معدنية في بعض أنواعه الفاخرة.
ومن خلال العرض الحي، استطاع الزائر أن يرى ما لا يظهر عادة في القطعة الجاهزة: الزمن الذي تحتاج إليه الصناعة، ودقة حركة اليد، والعلاقة المستمرة بين الحرفي والنول، وحجم المعرفة المطلوبة لتحويل مجموعة من الخيوط المنفصلة إلى نسيج متكامل.
إن الخطر الذي يواجه النسيج اليدوي لا يرتبط فقط بتراجع الطلب، بل أيضاً بصعوبة نقل المعرفة إلى أجيال جديدة في ظل المنافسة مع الإنتاج الصناعي السريع. فالآلة تستطيع إنتاج القماش، لكنها لا تنقل بالضرورة المعرفة الحرفية التي صنعت تاريخ النسيج الدمشقي.
نفخ الزجاج: تشكيل المادة بالنار والنَفَس
من أكثر مشاهد الفعالية ارتباطاً بالفعل الحرفي المباشر كانت صناعة الزجاج بالنفخ اليدوي.
إنها حرفة تقوم على لحظة دقيقة تجمع بين النار والحرارة وحركة اليد ونَفَس الحرفي. فالمادة التي تبدو صلبة وهشة في شكلها النهائي تمر في أثناء التصنيع بحالة مختلفة تماماً؛ تصبح كتلة لينة شديدة الحرارة يجب تشكيلها خلال زمن محدود قبل أن تفقد قابليتها للعمل.
يلتقط الحرفي الزجاج المصهور بواسطة أنبوب النفخ، ثم يبدأ بتدويره وتشكيله والنفخ فيه تدريجياً. ويتطلب ذلك تحكماً متزامناً في التنفس وحركة اليد ودرجة الحرارة وسرعة دوران القطعة. ومن هذه العملية تتشكل الأكواب والقوارير والمزهريات والمصابيح وغيرها من المنتجات الزجاجية التقليدية.
وقدّم الحرفي محمود الحلاق خلال الفعالية جانباً من خبرته في نفخ وتشكيل الزجاج، وهي معرفة توارثتها عائلته عبر الأجيال.
في هذه الحرفة تحديداً يصبح معنى «التراث الحي» واضحاً للغاية. يمكن الاحتفاظ بآلاف القطع الزجاجية القديمة في المتاحف والمجموعات، لكن ذلك لا يحفظ وحده القدرة على صناعتها. المعرفة موجودة في حركة اليد، وفي تقدير الحرارة، وفي اللحظة التي يعرف فيها الحرفي متى ينفخ ومتى يدير ومتى يتوقف.
الحفر الدمشقي على النحاس: الرسم بالمعدن
الحرفة الخامسة التي حضرت في «حِرفة تحت الضوء» هي الحفر على النحاس، إحدى الحرف التي تركت حضوراً واضحاً في البيوت والأسواق والمقاهي والمباني الدمشقية.
تبدأ العملية من سطح نحاسي يبدو بسيطاً، ثم ينتقل إليه التصميم وتبدأ مرحلة الحفر والتشكيل اليدوي. وباستخدام الأدوات الدقيقة والخبرة الطويلة، تتحول الخطوط المرسومة إلى زخارف نباتية وهندسية وكتابية بارزة أو غائرة.
ويحتاج العمل إلى معرفة بخصائص المعدن وبمقدار القوة التي يمكن تطبيقها عليه، وإلى قدرة على الحفاظ على انتظام الزخرفة وتوازنها على كامل السطح.
قدّم الحرفي أيمن زرده، الذي يعمل في هذا المجال منذ عقود، جانباً من مراحل الحفر الدمشقي على النحاس، موضحاً كيف تبدأ القطعة بالرسم قبل الانتقال إلى العمل اليدوي الذي يمنح الزخرفة عمقها وبروزها.
وتكشف هذه الحرفة، مثل غيرها من الحرف المشاركة، أن القيمة الحقيقية للقطعة ليست في مادتها الخام وحدها. فقيمة النحاس بوصفه معدناً شيء، وقيمة قطعة أمضى الحرفي ساعات أو أياماً في تصميمها وحفرها شيء آخر تماماً. ما يضاف إلى المادة هو المعرفة والزمن والمهارة والذاكرة.
لماذا «حرفة تحت الضوء»؟
جاء اسم الفعالية ليعبّر عن جوهر المبادرة. فثمة حرف كانت يوماً جزءاً طبيعياً من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة، ثم أخذت تنسحب تدريجياً من المشهد العام، حتى أصبح بعض العاملين فيها من آخر حاملي المعرفة المرتبطة بها.
ولهذا أراد رِواق أن يكون الضوء موجهاً إلى الحرفي قبل القطعة.
فعندما نتحدث عن التراث الثقافي غير المادي، لا تكفي حماية المباني التاريخية أو جمع المنتجات القديمة. الحرفي نفسه جزء من التراث؛ وما يعرفه عن المادة والأداة والتقنية والتصميم ومراحل العمل يمثل أرشيفاً حياً قد لا يكون مكتوباً في أي كتاب.
إن رحيل حرفي من دون أن ينقل معرفته قد يعني ضياع عشرات السنوات من الخبرة، وأحياناً انقطاع سلسلة معرفية امتدت عبر أجيال.
من العرض إلى التوثيق والتعليم
لهذا لم تُصمم «حِرفة تحت الضوء» باعتبارها حدثاً منفصلاً، بل خطوة ضمن رؤية أوسع يسعى إليها رِواق في التعامل مع التراث السوري.
فالصون الحقيقي للحرفة يتطلب أولاً توثيقها: تسجيل أدواتها، ومصطلحاتها، وموادها، وتسلسل مراحلها، وأسماء العاملين فيها، وطرق التدريب التقليدية، والتحولات التي طرأت عليها.
ثم تأتي الخطوة الأكثر أهمية: نقل المعرفة.
فالغاية ليست أن نعرف كيف كان الحرفيون يعملون في الماضي فحسب، وإنما أن يصبح هناك جيل جديد قادر على ممارسة هذه الحرف وتطويرها وإيجاد مكان لها في الحياة المعاصرة.
وهذا يفرض الانتقال من المبادرات المؤقتة إلى التفكير في برامج تدريبية، ومناهج توثيق وتعليم، وشراكات بين الحرفيين والباحثين والمؤسسات الثقافية، إلى جانب إيجاد أسواق جديدة تمنح الحرفي القدرة الاقتصادية على الاستمرار.
قصر العظم: عندما تعود الحرفة إلى مكانها
كان لاختيار قصر العظم لاستضافة الفعالية معنى يتجاوز القيمة التاريخية للمكان.
فالبيت الدمشقي التقليدي نفسه حصيلة تعاون عدد كبير من الحرف: الحجر والخشب والمعدن والزجاج والجص والنسيج وغيرها. ولذلك فإن حضور الحرفيين داخل هذا الفضاء أعاد ربط المنتج الحرفي بالبيئة المعمارية والاجتماعية التي نشأ فيها.
لم تعد القطع معروضة خارج سياقها، بل أصبح بالإمكان النظر إلى الزجاج المعشّق في علاقته بالنافذة والضوء، وإلى النحاس بوصفه جزءاً من تجهيزات البيت، وإلى النسيج في علاقته باللباس والأثاث والحياة اليومية.
وهكذا تحوّل قصر العظم من مكان يستضيف الفعالية إلى جزء من خطابها.
الحرفي ليس جزءاً من الماضي
ربما كانت الرسالة الأهم التي حملتها «حِرفة تحت الضوء» هي ضرورة تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى الحرف التقليدية.
فالحرفي ليس شخصية تنتمي إلى صورة قديمة لدمشق، والحرفة ليست منتجاً سياحياً نستعيد من خلاله الحنين إلى الماضي. كلاهما جزء من ثقافة يمكن أن تستمر إذا توافرت لها المعرفة والدعم والتعليم والسوق.
إن حماية التراث لا تتحقق فقط عندما نحفظ ما وصل إلينا، بل عندما نضمن أن تبقى المعرفة التي صنعته قادرة على الانتقال.
ولهذا، كان اللقاء المباشر بين الحرفيين والجمهور، ولا سيما الأجيال الجديدة، واحداً من أهم جوانب الفعالية. فمشاهدة الحرفي أثناء العمل تكشف مقدار المعرفة المختبئة خلف شيء قد يبدو بسيطاً عند رؤيته في واجهة متجر أو داخل متحف.
ثلاثة أيام… وبداية لمسار أطول
اختُتمت «حِرفة تحت الضوء» بعد ثلاثة أيام من العروض واللقاءات والتفاعل مع الجمهور، وجرى تكريم الحرفيين المشاركين تقديراً لما يحملونه من معرفة وللدور الذي أدّوه في الحفاظ عليها.
لكن بالنسبة إلى رِواق، لا ينتهي العمل بانتهاء الفعالية.
ما بدأ تحت الضوء يجب أن ينتقل إلى التوثيق، والبحث، والتعليم، والتدريب، وإعادة الربط بين الحرفة والمجتمع.
فالتراث السوري لا يعيش في الأشياء وحدها، بل في الإنسان الذي يعرف كيف يصنعها؛ في يد الحائك، ونَفَس صانع الزجاج، وأداة النقّاش، وفي معرفة القمرجي بالضوء والزجاج والجص، وفي ذاكرة الكمارجي وهو يعيد تشكيل الصوف وفق معرفة ورثها عن أجيال سبقته.
هذه المعرفة هي ما يجعل الحرفة تراثاً حياً.
ومن هنا كانت «حِرفة تحت الضوء» دعوةً إلى النظر من جديد إلى هؤلاء الحرفيين، لا باعتبارهم آخر شهود على عالم يختفي، بل باعتبارهم نقطة البداية لعالم يمكن أن يستمر.