توثيق: ماسة الطويل
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الخزّاف من أقدم الحرف التي عرفتها المجتمعات البشرية، لأنها تقوم على تحويل الطين من مادة خام بسيطة إلى أوانٍ، وتحف، وبلاطات زخرفية، وقطع نافعة وجمالية في آن واحد. وهي حرفة تجمع بين اليد والعين والعنصر الطبيعي؛ فالخزّاف لا يتعامل مع الطين بوصفه مادة جامدة، بل مادة قابلة للتشكيل، تتغير بالعجن، والرطوبة، والهواء، والنار، ثم تستقر في صورتها النهائية بعد الحرق والطلاء.
تقوم الحرفة على مادة أساسية هي الطين، يضاف إليها الماء والألوان والطلاءات. والطين هو جوهر الصنعة، لأنه يحمل قابلية التحول: يُعجن، ويُشكّل، ويُترك ليجف، ثم يدخل النار ليصير أكثر صلابة، وبعد الطلاء والحرق النهائي يتحول إلى خزف قابل للاستعمال والزينة. ولهذا تبدو حرفة الخزف من أكثر الحرف اتصالاً بالعناصر الأربعة: الطين، والماء، والهواء، والنار.
تبدأ مراحل العمل باختيار نوع الطين المناسب، ثم تنقيته من الشوائب وخلطه بالماء وعجنه جيداً حتى يتجانس وتخرج منه فقاعات الهواء. هذه المرحلة ضرورية، لأن وجود الهواء داخل الكتلة الطينية قد يؤدي إلى تشقق القطعة أو كسرها أثناء التجفيف أو الحرق. لذلك لا يبدأ الخزف من التشكيل، بل من إعداد المادة نفسها إعداداً صحيحاً.
بعد ذلك تأتي مرحلة التشكيل. وقد يكون التشكيل يدوياً، حين يستخدم الحرفي يديه لصناعة الشكل المطلوب، أو على الدولاب، حيث تدور الكتلة الطينية ويمنحها الخزّاف هيئة متوازنة من خلال ضغط اليدين وتوجيههما. وهنا تظهر مهارة الحرفي في السيطرة على الطين وهو في حالته اللينة؛ فالحركة الزائدة قد تفسد الشكل، والضغط غير المتوازن قد يجعل الجدار رقيقاً في موضع وسميكاً في آخر.
ثم تُترك القطعة لتجف ببطء في الهواء حتى تصل إلى مرحلة تُعرف بصلابة الجلد. هذه المرحلة حساسة، لأن التجفيف السريع قد يؤدي إلى تشقق القطعة، بينما يمنحها التجفيف المتدرج فرصة للاحتفاظ بشكلها. بعد ذلك تدخل القطعة إلى الفرن في الحرق الأول أو حرق البسكوت، على درجة حرارة منخفضة نسبياً، تقارب 800 إلى 1000 درجة مئوية، لتصبح صلبة وقابلة لامتصاص الطلاء.
بعد الحرق الأول تأتي مرحلة اللون والطلاء. تُغطّى القطعة بمادة سائلة تُعرف باسم الجليز، وهي التي تمنح الخزف ألوانه ولمعانه، وتعمل بعد الحرق كطبقة عازلة للماء. ثم تدخل القطعة الفرن مرة أخرى في الحرق النهائي، على درجات حرارة أعلى، فينصهر الطلاء ويتصلب سطح القطعة، وتستقر في صورتها الخزفية النهائية.
تاريخياً، نشأت صناعة الفخار منذ العصور القديمة لحاجات التخزين والطهي، ثم تطورت مع الزمن إلى خزف أكثر تنوعاً في الشكل والزخرفة والطلاء. وقد ازدهرت صناعة الخزف في العصر العباسي، وكانت سامراء في العراق من أهم مراكزها في القرن الثالث الهجري. كما اشتهرت مراكز أخرى مثل الرقة، ودمشق، والفسطاط في مصر، وتقدمت منتجات هذه المراكز بفضل انتقال الخبرات والصنّاع وتبادل الأساليب.
ويُعدّ القاشاني أو القيشاني من الأنواع المهمة المرتبطة بتاريخ الخزف والزخرفة المعمارية. وتعود التسمية إلى مدينة قاشان في إيران، التي اشتهرت بنوع من الخزف المزجج المستخدم في تزيين الجدران، والمحاريب، وأعالي النوافذ، والأبواب. وقد عُرف القيشاني في مساجد دمشق، ولا سيما في العصر العثماني، كما كان حاضراً في قاعات الدور الدمشقية، حيث شكّل جزءاً من جماليات العمارة الداخلية.
ومن أنواع الخزف أيضاً الخزف الجيري، وهو من أبسط الأنواع، وتكون طبقة الميناء فيه خفيفة وتربته حمراء. وهناك كذلك الخزف ذو البريق المعدني، وهو من أنفس الأنواع، وتكون تربته بيضاء أو صفراء هشة. وقد ازدهرت صناعته في العراق، ولا سيما في سامراء، كما عرفت الرقة نماذج مهمة من الخزف الملوّن، ومن أشهر ألوانها الأخضر الفيروزي الشفاف المصحوب برسم أسود وكتابات وأدعية وأشكال نباتية وآدمية وحيوانية محوّرة عن الطبيعة.
وفي السياق السوري، تميّز الخزف ببريقه المعدني في بعض مراحله، كما ظهرت نماذج خزفية سورية في مجموعات متحفية عالمية. وتدل هذه النماذج على تنوع مراكز الإنتاج، وعلى أن الخزف السوري لم يكن مجرد صناعة نافعة، بل فناً زخرفياً قائماً بذاته، يجمع بين الوظيفة والجمال، وبين الوعاء والسطح المزخرف. وفي العصر المملوكي، عُرف خزف دمشق برشاقة موضوعاته وزخارفه، وهو ما يكشف استمرار مكانة المدينة في هذا المجال.
ارتبطت حرفة الخزاف في دمشق بعدة أماكن، منها حي العدوي، كما تُمارس اليوم في نطاقات محدودة في باب شرقي والعدوي والروضة. وتحضر في هذا المجال أسماء مثل راما السمان، وراجي الياس، ومعهد وليد عزت، بوصفها إشارات إلى استمرار الحرفة ضمن دوائر تعليمية أو فردية محدودة. وهذا الاستمرار لا يلغي التراجع، لكنه يدل على أن الحرفة ما زالت قابلة للحياة حين تتوافر الورشة، والمعلم، والمواد، والوقت.
وتكمن أهمية الحرفة في أنها تجمع بين الجانب النفعي والجانب الفني. فالخزاف يصنع أواني يمكن استعمالها، لكنه يصنع أيضاً تحفاً وبلاطات زخرفية تدخل في عالم الزينة والعمارة. وهذا التداخل بين الاستخدام والجمال هو ما منح الخزف مكانة خاصة في الثقافة المادية؛ فهو مادة يومية حين يكون وعاءً، ومادة معمارية حين يكون قيشانياً، وقطعة فنية حين يتحول إلى تحفة أو سطح مزخرف.
ولا يمكن فصل الخزف عن التجريب. فالنار قد تمنح نتائج غير متوقعة، والطلاء قد يتغير لونه بحسب الحرارة، والطين نفسه قد يستجيب بطريقة مختلفة بحسب نقاوته ورطوبته. لذلك يحمل العمل بالخزف شيئاً من المفاجأة، إذ لا تظهر النتيجة النهائية إلا بعد الحرق. وهذه الخاصية تجعل الخزاف على صلة دائمة بالمادة وباحتمالاتها، فلا تكون الحرفة تكراراً آلياً فقط، بل تجربة متجددة مع كل قطعة.
تواجه الحرفة اليوم عدة تحديات، منها عدم توافر الكهرباء بشكل دائم، وقلة المياه في بعض الأحيان، وصعوبة التصدير، وتراجع شراء القطع الخزفية مع دخول المنتجات الصينية الأرخص. كما كان لخروج بعض الحرفيين من منطقة التكية السليمانية أثر واضح، لأنها كانت فضاءً ثقافياً وتراثياً يجمع الحرف في مكان واحد ويمنحها حضوراً عاماً لدى الدمشقيين والزوار.
ومع ذلك، تبقى حرفة الخزف من الحرف القادرة على الاستمرار، لأنها لا ترتبط بالمنفعة فقط، بل باللمس، والتجربة، والعلاقة المباشرة مع المادة. فالطين يتيح للحرفي أن يشكل بيديه، وأن يرى المادة تتحول أمامه من كتلة رخوة إلى جسم ثابت. وفي الذاكرة الحرفية، يحمل العمل بالطين بعداً وجدانياً أيضاً، إذ يقال إنه يفرغ طاقة اليدين ويعيد الإنسان إلى أصوله الطبيعية، لأنه يجمع بين الماء والطين والهواء والنار.
إن حفظ حرفة الخزاف لا يعني حفظ الأواني أو البلاطات فقط، بل حفظ المعرفة التي تجعل الطين قابلاً للحياة: كيف يُختار، وكيف يُنقّى، وكيف يُعجن، وكيف يُشكّل، ومتى يُترك ليجف، وكيف يدخل النار، وكيف يستقر اللون على سطحه. فمن الطين إلى الجليز، ومن الدولاب إلى الفرن، تتشكل حرفة عريقة تحمل تاريخاً طويلاً من الاستخدام والزخرفة والابتكار.
المراجع
كيال، منير. مآثر شامية في الفنون والصناعات الدمشقية: دراسة ميدانية توثيقية. دمشق: وزارة الثقافة، الهيئة العامة السورية للكتاب، 2007.
الطويل، ماسة. «نموذج توثيق حرفة الخزاف». توثيق ميداني، دمشق، حي العدوي، 22 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع راما السمان.