توثيق: ماسة الطويل
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الغريواتي من الحرف المرتبطة بصناعة مادة وسيطة لا تُستعمل غالباً وحدها، بل تدخل في عمل حرف أخرى. فالغريواتي لا يصنع أثاثاً، ولا ينجز قطعة زخرفية، ولا ينتج أداة نهائية، لكنه يصنع الغراء الذي يحتاجه النجار، والصدفجي، والقباقبي، وغيرهم من أصحاب الحرف التي تعتمد على اللصق والتثبيت. ومن هنا تأتي أهمية هذه الحرفة؛ فهي تقع في خلفية الإنتاج الحرفي، وتؤمّن مادة أساسية تجعل أعمالاً كثيرة ممكنة.
يقوم عمل الغريواتي على تحويل جلود البقر إلى مادة لاصقة. والغراء المقصود هنا ليس الغراء الصناعي الحديث، بل غراء حيواني ينتج من طبخ الجلد ومعالجته حتى تزول صورته الأولى ويتحوّل إلى مادة قابلة للذوبان والاستعمال. لذلك تكشف هذه الحرفة عن معرفة دقيقة بخصائص الجلد: كيف يلين، وكيف يذوب، وكيف يُصفّى، وكيف يتحوّل من جلد قاسٍ إلى مادة لاصقة يستعملها الحرفيون.
تبدأ العملية بجلود البقر المجهزة للطبخ. تُطبخ الجلود حتى تذهب صورتها الجلدية الأولى، ثم تُكبس حتى يخرج ماؤها وتُصفّى. وبعد ذلك يُعاد طبخ ما ذاب من تلك الجلود حتى يزداد تماسك المادة ويتحوّل الناتج إلى غراء صالح للتجفيف والحفظ. هذه المراحل تكشف أن الحرفة تقوم على تكرار الطبخ والكبس والتصفية، لا على طبخ عابر مرة واحدة؛ فالغراء يحتاج إلى معالجة متأنية حتى يصبح قابلاً للاستعمال.
بعد الطبخ والكبس الثاني، تُقطع المادة الناتجة إلى قطع صغيرة، غالباً بحجم الكف، ثم تُجفف في الشمس والهواء. والتجفيف هنا مرحلة أساسية، لأن الغراء لا يُباع في حالته السائلة، بل يُحفظ على هيئة قطع يابسة يمكن نقلها وتعليقها وبيعها. وعندما يحتاجه الحرفي، يعيد إذابته واستعماله بحسب الحاجة. وبهذا المعنى، كان الغريواتي يحوّل المادة الحيوانية إلى منتج قابل للتخزين والتداول داخل السوق.
وكان الغراء بعد تجفيفه يُباع للعطارين، فينظمونه بالخيطان ويعلقونه على حوانيتهم. هذه الصورة السوقية مهمة؛ إذ لا يظهر الغراء كمادة مخفية داخل الورشة فقط، بل كسلعة تُعلّق وتُعرض وتُباع في السوق. ومن خلال العطارين كان يصل إلى أصحاب الحرف الذين لا يستغنون عنه، مثل النجارين، والصدفجية، والقباقبية، وغيرهم. لذلك تقع حرفة الغريواتي عند تقاطع أكثر من سوق: سوق المواد، وسوق العطارين، وسوق الحرف الخشبية والزخرفية.
وترتبط الحرفة في دمشق بسياق الأسواق القديمة، ولا سيما سوق الزبلطاني، كما ترتبط وظيفياً بالعطارين والنجارين. فالعطار هنا ليس بائع روائح وأعشاب فقط، بل وسيط يبيع مواد متعددة يحتاجها الناس والحرفيون، ومنها الغراء الحيواني. أما النجار والصدفجي والقباقبي فيمثلون جانب الاستعمال العملي؛ فالغراء يدخل في تثبيت الخشب، وتركيب القطع، ولصق الزخارف، وجمع العناصر التي تحتاج إلى تماسك.
تُظهر هذه الحرفة جانباً مهماً من الاقتصاد الحرفي التقليدي: لا توجد حرفة مستقلة تماماً عن غيرها. فالنجار يحتاج إلى الغراء، والصدفجي يحتاج إلى مادة تثبيت، والقباقبي يحتاج إلى ما يساعده في جمع أجزاء صنعته، والعطار يبيع المادة، والغريواتي ينتجها. وبذلك لا تُفهم الغريواتي بوصفها حرفة منفصلة، بل بوصفها جزءاً من شبكة إنتاجية مترابطة تتبادل المواد والمهارات.
ومن الناحية التقنية، تكمن مهارة الغريواتي في معرفة درجة الطبخ والتصفية والتجفيف. فإذا لم تُطبخ الجلود جيداً بقيت المادة ضعيفة أو غير صالحة، وإذا لم تُصفَّ بالشكل المناسب بقيت فيها شوائب، وإذا لم تُجفف جيداً فسدت أو صعب تخزينها. لذلك تعتمد الحرفة على خبرة حسية مباشرة: رائحة المادة، قوامها، لونها، لزوجتها، ودرجة جفافها.
وتحمل الحرفة أيضاً بعداً مادياً يرتبط بإعادة استخدام الجلد. فالجلود التي لا تُستعمل في صناعة الفراء أو الدباغة أو المنتجات الجلدية الرفيعة يمكن أن تدخل في إنتاج الغراء. وهنا تتحول بقايا المادة الحيوانية إلى عنصر نافع في صناعات أخرى، مما يكشف عن منطق اقتصادي قديم قائم على الاستفادة من المادة إلى أقصى حد.
وكانت حرفة الغريواتي حرفة مهمة ورائجة، تنتج ربحاً متوسطاً. وهذا الوصف يعكس موقعها العملي داخل السوق: ليست من الحرف الفاخرة أو عالية الربح، لكنها حرفة ضرورية، لأن الطلب عليها كان مرتبطاً باستمرار حرف كثيرة أخرى. فكلما كان هناك نجارة، أو تطعيم بالصدف، أو صناعة قباقيب، أو أعمال تركيب وتثبيت، بقيت الحاجة إلى الغراء قائمة.
أما اليوم، فقد تراجعت الحرفة بشكل واضح، بل خرجت تقريباً من الاستعمال التقليدي. فقد توقف العطارون منذ أكثر من عشرين عاماً عن استخدام هذا الغراء أو بيعه بالصورة القديمة، كما اعتمد النجارون والحرفيون على الغراء الأبيض المصنّع والمواد اللاصقة الحديثة. هذا التحول لم يغيّر مادة الغراء فقط، بل غيّر شبكة كاملة من العلاقات: لم يعد الغريواتي ينتج، ولم يعد العطار يعلّق الغراء في دكانه، ولم يعد النجار ينتظر الغراء الحيواني كما كان سابقاً.
يرتبط تراجع الحرفة أيضاً بتغير طبيعة المواد والسرعة المطلوبة في السوق. فالغراء الصناعي أسهل في الاستعمال، أسرع في التحضير، وأقل حاجة إلى إذابة أو معالجة مسبقة. أما الغراء الحيواني فكان يحتاج إلى معرفة بطريقة استعماله وتحضيره قبل اللصق. ومع تحوّل السوق إلى المواد الجاهزة، تراجعت الحاجة إلى الغريواتي بوصفه صانعاً متخصصاً.
ومع ذلك، تبقى حرفة الغريواتي مهمة في توثيق تاريخ الحرف، لأنها تكشف المادة الخفية التي كانت تربط بين صناعات متعددة. فالقطعة الخشبية المطعمة بالصدف، أو القبقاب، أو بعض أعمال النجارة، لا تُظهر الغراء للعين، لكنه حاضر في بنيتها. ولذلك فإن توثيق الغريواتي يعني توثيق ما لا يظهر في المنتج النهائي، لكنه يضمن تماسكه واستمراره.
إن حفظ ذاكرة هذه الحرفة لا يعني الدعوة إلى استعادتها كما كانت بالضرورة، بل فهم موقعها داخل نظام العمل التقليدي. فقد كان الغريواتي يحوّل الجلد إلى غراء، والعطار يحوّل الغراء إلى سلعة معروضة، والحرفي يحوّله إلى قوة ربط داخل المنتج. ومن خلال هذه السلسلة الصغيرة تظهر براعة الاقتصاد الحرفي القديم في تدوير المواد، وتنظيم السوق، وربط الحرف بعضها ببعض.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 327.
الطويل، ماسة. «نموذج توثيق حرفة الغريواتي». توثيق ميداني/بحثي، دمشق، سوق الزبلطاني، 14 شباط/فبراير 2026.