حرفة العقاد

توثيق: د. هلا قصقص وأسيل محمود
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

27/04/2026

تُعدّ حرفة العقّاد من الحرف النسيجية الدقيقة التي تقوم على صناعة الخيطان، والقيطان، والشرائط، والسجق النسيجي، والعُكُل، وغيرها من العناصر التي تدخل في زينة اللباس والبيت. وهي حرفة لا تنتج ثوباً كاملاً مثل الخياط، ولا تنسج قماشاً كاملاً مثل النسّاج، بل تصنع التفاصيل التي تُكمل الثوب والستارة والغطاء والجهاز المنزلي. ومن هنا تأتي أهميتها؛ فهي حرفة التفاصيل الصغيرة التي تمنح الأشياء مظهرها النهائي، وتربط بين الخيط الخام والزينة المستعملة في الحياة اليومية.

يعرف قاموس الصناعات الشامية العقّاد بأنه من يحترف في خيطان الحرير، والصوف، والقطن، والشرائط، وغيرها. ويُطلق اسم العقّاد على المعلّم والصانع معاً، وهو أمر مهم لأنه يكشف طبيعة الحرفة بوصفها عملاً إنتاجياً وتجارياً في الوقت نفسه. فالصانع ينجز القطع بيده أو بأدواته، ثم يسلّمها إلى المعلّم الذي يبيعها في دكانه لمن يرغب بها. وبهذا المعنى، كانت الحرفة تقوم على علاقة واضحة بين اليد العاملة، والمعلم، والسوق.

تُعرف الحرفة أيضاً باسم صانع السجق النسيجي، وهي تسمية توضّح جانباً مهماً من عمل العقّاد، ولا سيما صناعة سجق الكردون والبريم والقيطان والشرائط. ولا ينبغي فهم “السجق” هنا بالمعنى الغذائي، بل بوصفه مصطلحاً حرفياً يدل على خيط أو شريط مفتول ومتماسك، يدخل في الزينة والربط والتكميل. ومن هنا يظهر العقّاد بوصفه صانعاً للخطوط النسيجية الصغيرة: شرائط، حبال زخرفية، أزرار، عُكُل، طرر، وقياطين.

تنقسم منتجات العقّاد إلى أقسام متعددة بحسب الأداة وطريقة العمل. فمنها ما يُصنع على النول، مثل بعض أنواع الشرائط والشنابر. ومنها ما يُشتغل على دولاب السجق، مثل سجق الكردون والبريم. ومنها ما يُصنع باليد، مثل البنود، والأزرار، والعُكُل، وبعض عناصر الزينة الدقيقة. ومنها ما يُنتج على دولاب الشغالات أو دولاب الفتّالات، مثل القيطان الحريري والقطني. هذا التنوع يدل على أن الحرفة لم تكن تقنية واحدة بسيطة، بل منظومة عمل تتوزع بين النول، والدولاب، واليد.

تقوم الحرفة على مواد متعددة، أهمها الحرير الطبيعي، والصوف، والقطن، والخيوط المقصّبة التي تدخل فيها خيوط معدنية، إضافة إلى الأصبغة الملونة. ويختلف أثر كل مادة في المنتج النهائي؛ فالحرير يمنح القطعة لمعاناً ونعومة، والصوف يمنحها سماكة وملمساً أثقل، والقطن يجعلها أكثر قابلية للاستعمال اليومي، أما الخيوط المقصّبة فتمنحها قيمة زخرفية أو احتفالية أعلى. لذلك كان العقّاد يحتاج إلى معرفة دقيقة بالمادة، لا من حيث نوعها فقط، بل من حيث قابليتها للفتل والشدّ والنسج والظهور.

تبدأ مراحل العمل باختيار نوع الخيط بحسب الغرض المطلوب: حرير، أو صوف، أو قطن، أو خيط مقصّب. ثم تُصبغ الخيوط بالألوان المناسبة، وتُشدّ على النول أو الدولاب بحسب المنتج المراد صنعه. فإذا كان المطلوب شريطاً أو شنبرًا، جُهّز النول. وإذا كان المطلوب كردوناً أو بريماً، استُخدم دولاب السجق. وإذا كان المطلوب قيطاناً حريرياً أو قطنياً، اشتُغل على دولاب الفتّالات. أما القطع الصغيرة التي تحتاج إلى تشكيل خاص، مثل الأزرار والعُكُل والطرر، فتدخل فيها اليد مباشرة.

ويكشف هذا التدرج في العمل عن طبيعة الحرفة بوصفها حرفة ضبط وإحكام. فالخيط لا يبقى خيطاً سائلاً أو مفرداً، بل يتحول إلى شريط أو قيطان أو زر أو عقدة زخرفية. والمهارة هنا تقوم على مقدار الشدّ، وانتظام الفتل، وتناسق اللون، ودقة التشطيب. فالقطعة الصغيرة إذا اختلّ فيها الشد أو اللون أو الحافة فقدت وظيفتها الجمالية والعملية معاً.

كان للعقّاد دور واضح في صناعة مكملات اللباس. فالقيطان كان يُستعمل في الصداري الجوخ، والدامو، والشراويل، كما كانت بعض القطع تقوم مقام الأزرار أو تزيّن أطراف الثياب. أما النياطي فكان يُستخدم عوضاً عن الأزرار، بما يدل على أن الحرفة لم تكن للزينة وحدها، بل كانت تؤدي وظيفة عملية في إغلاق اللباس أو ضبطه أو تثبيت أجزائه. وهنا تظهر أهمية العقّاد في اكتمال الثوب التقليدي، لأن كثيراً من الملابس لا تنتهي بالخياطة وحدها، بل تحتاج إلى قيطان، أو زر، أو شريط، أو حافة زخرفية.

كما ارتبطت الحرفة بزينة النساء في الريف وغوطة دمشق والمناطق المجاورة. فقد استُعملت بعض منتجات العقّاد في الشنابر، وهي أغطية تستعملها نساء الفلاحين، وفي القباطات، وهي أغطية رأس استعملتها نساء العرب المجاورين لدمشق وبعض نساء فلاحي المرج المتصل بغوطة دمشق. وكانت تُعلّق على هذه الأغطية أنواع من الذهب والحلي، مثل الجهادي والقريشات وغيرها. وهذا يبيّن أن عمل العقّاد لم يكن بعيداً عن لغة الزينة النسائية والهوية الاجتماعية، بل كان جزءاً من هيئة اللباس ومظهره المحلي.

وامتدت منتجات العقّاد إلى البيت أيضاً. فقد دخلت الشرائط والكردونات في البرادي، والنوافذ، والحواجز، والجهازات، وأغطية البيوت. كما دخل البريم في المخدات وبدلات النساء، ودخلت بعض الشرائط في أسرّة الأطفال. وبهذا المعنى، لم تكن الحرفة محصورة في اللباس، بل خدمت الفضاء الداخلي للبيت: الستارة، المخدة، الغطاء، الحاجز، وزينة الجهاز. فالبيت التقليدي، مثل الثوب، كان يحتاج إلى تفاصيل نسيجية تُكمل صورته وتمنحه رونقاً.

وكان لبعض منتجات العقّاد حضور في أدوات السلاح أيضاً، مثل البنود المصنوعة من الحرير الملون، والمستخدمة مع السيوف والطبنجات والمسدسات وغيرها. كما صُنعت الطرر للمسابح، والعُكُل للبرادي، وبعضها من القصب والحرير والصوف. ويُذكر أن بعض السياح الأجانب كانوا يرغبون بشراء أنواع من العُكُل ويضعونها على رؤوسهم، ما يكشف أن هذه القطع الصغيرة لم تكن مجرد لوازم محلية، بل تحولت أحياناً إلى أشياء مرغوبة بوصفها علامات على الزينة الشرقية أو التذكار.

وتدل المصطلحات المهنية المرتبطة بهذه الحرفة على غنى عالمها الداخلي. فهناك الشنابر، والقباطات، وسجق الكردون، والبريم، والنياطي، والعُكُل، والقيطان، والزنافير الحريرية، والسيم المقصب. هذه الكلمات ليست أسماء عابرة، بل مفاتيح لفهم وظيفة كل قطعة ومكانها في اللباس أو البيت أو السوق. وحين تختفي هذه المصطلحات من التداول، لا يضيع الاسم وحده، بل تضيع معه معرفة كاملة بطريقة استعمال الأشياء.

اقتصادياً، كانت حرفة العقّاد من الحرف المهمة التي تدر ربحاً كبيراً على المعلّم، وربحاً متوسطاً على الصانع. وهذا الفرق بين المعلّم والصانع يكشف بنية مهنية واضحة: فالمعلّم يملك موقع البيع والتنظيم، بينما ينجز الصانع العمل التفصيلي. ومع نهاية تصنيع الأصناف المطلوبة، تُسلّم القطع إلى المعلّم ليعرضها في دكانه. وبذلك تقوم الحرفة على شبكة صغيرة لكنها منظمة: مادة خام، صانع، معلم، دكان، وزبون.

وكانت بعض اللوازم تأتي أيضاً من البلاد الأجنبية، مثل الكراكي، والزنافير الحريرية، والسيم المقصب، وشمل الخيطان، وأكياس حريرية ومقصبة للدراهم. وهذا يوضح أن العقّاد لم يكن يعمل داخل اقتصاد محلي مغلق، بل داخل سوق يجمع بين المنتج المحلي والمستورد. فبعض الأشياء كان يُنتج في الورشة أو الدكان، وبعضها يُجلب من الخارج ويُعرض مع منتجات الحرفة، بما يوسع وظيفة العقّاد من الصانع إلى المجهّز والتاجر.

ارتبطت الحرفة بدمشق وحمص، وبالأحياء القديمة التي احتفظت زمناً طويلاً بعالم اللباس التقليدي والبرادي والأدوات المزخرفة. كما ارتبطت بصناعة النسيج الدمشقي وباللباس الشعبي للنساء في الريف والغوطة والمناطق المجاورة. وهذا الارتباط المكاني والاجتماعي مهم، لأن الحرفة لا يمكن فهمها من دون استعمالاتها: أغطية الرأس، زينة النساء، البرادي، الجهاز، لباس الأطفال، الصداري، الشراويل، والمخدات.

أما اليوم، فقد أصبحت الحرفة شبه منقرضة بصورتها التقليدية. فما زالت بعض القيطان والشرائط تُنتج، لكنها غالباً تُصنع آلياً في المصانع، وبمواد صناعية بدلاً من الحرير الطبيعي أو الخيوط التقليدية. ولهذا لا يكون استمرار بعض المنتجات دليلاً على استمرار الحرفة نفسها؛ فالمنتج قد يبقى في السوق، بينما تختفي المعرفة اليدوية والأدوات القديمة والمصطلحات الدقيقة المرتبطة به.

وتعود أسباب التراجع إلى عوامل متعددة، منها استبدال المنتجات اليدوية بمنتجات صناعية أرخص، وتغير اللباس التقليدي، واختفاء استعمال الشنابر والقباطات، ودخول المواد الجاهزة والمستوردة. كما أن تغير شكل البيت والستائر والملابس قلّل الحاجة إلى الشرائط والقيطان والعُكُل والطرر المصنوعة يدوياً. وبذلك تراجعت الحرفة مع تراجع العالم الذي كان يحتاج إليها.

ومع ذلك، تبقى حرفة العقّاد مهمة لأنها تكشف عن جانب خفي من تاريخ المنسوجات واللباس. فالتراث النسيجي لا يقوم على القماش الكبير وحده، بل على التفاصيل الصغيرة: زر، قيطان، شريط، عُكُل، بريم، طرّة. هذه العناصر قد تبدو ثانوية، لكنها كانت تكمل هيئة الثوب والبيت، وتكشف ذوق المجتمع، وعلاقته بالزينة، وباللون، وبالمقام الاجتماعي.

إن حفظ حرفة العقّاد لا يعني توثيق منتج واحد، بل توثيق نظام كامل من الخيوط والأدوات والمصطلحات والاستعمالات. فهذه الحرفة تختصر العلاقة بين النول والدولاب واليد، وبين المعلّم والصانع، وبين اللباس والبيت، وبين السوق المحلي والمواد المستوردة. ومن هنا تصبح حرفة العقّاد شاهداً على مرحلة كانت فيها تفاصيل الحياة اليومية تُصنع بصبر، وتُختار بعناية، وتُعطي للأشياء الصغيرة قيمة لا تقل عن قيمة القطعة الكبرى التي تزيّنها.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 313–314.
محمود، أسيل. «نموذج توثيق حرفة العقّاد». توثيق ميداني/بحثي، دمشق وحمص، 22 شباط/فبراير 2026.