حرفة العقلجي

توثيق: هتون مقرش، أحمد خالد اليغشي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

26/04/2026

تُعدّ حرفة العقلجي، أو العكلجي كما يرد اسمها في قاموس الصناعات الشامية، من الحرف المرتبطة بلباس الرأس في البيئات الريفية والعشائرية والبدوية. فهي لا تصنع قطعة لباس عادية، بل تنتج عنصراً رمزياً يحمل دلالات اجتماعية واضحة تتصل بالهوية، والوجاهة، والرجولة، والانتماء. فالعقال، بوصفه ما يُعصب به الرأس فوق الحطّة أو الكوفية، لا يؤدي وظيفة تثبيت الغطاء فقط، بل يدخل في منظومة من العلامات التي تعبّر عن المكانة، والحالة الاجتماعية، والسلوك، وأحياناً الموقف الشخصي أو العشائري.

يميّز قاموس الصناعات الشامية هذه الحرفة باسم العكلجي، ويعرّفه بأنه بائع العكل، أي العقالات التي يعصب بها البدو وأهل القرى والفلاحون رؤوسهم فوق الحطة المصنوعة من القطن أو الصوف أو الحرير المقصب. كما يذكر أن للعقالات أصنافاً متفاوتة في الجودة والقيمة، منها أجناس عالية من صوف الشمال، ومنها أنواع أدنى ثمناً. هذا التعريف يضع الحرفة في موقع يجمع بين الصناعة والتجارة؛ فالعقلجي ليس مجرد بائع لقطعة جاهزة، بل طرف في سلسلة إنتاج تبدأ من تحضير الخيوط وتنتهي بعقال مضبوط الشكل والحجم.

تقوم الحرفة على مواد بسيطة ظاهرياً، لكنها تحتاج إلى خبرة في الاختيار والمعالجة. يدخل في صناعة العقال الصوف، وغالباً شعر الماعز، مع خيوط قطنية للحشو، وقد تُضاف خيوط معدنية ذهبية أو فضية في العقال المقصّب. كما تظهر في الصناعة الحديثة مواد مثل خيط الأكريليك، والحشوات القطنية أو الصناعية، وخيوط المخمل أو الحرير التي تضاف إلى وجه العقال بحسب النوع المطلوب. هذا التنوع في المواد يعكس انتقال الحرفة بين مستويين: مستوى تقليدي يعتمد على الصوف الطبيعي والعمل اليدوي، ومستوى أحدث يستجيب للسوق من خلال مواد أسرع وأقل كلفة.

وتبدأ صناعة العقال بمرحلة التسداية، حيث تُجهّز حشوة العقال من الخيوط القطنية والصوفية، وتُجمع الخيوط على أكثر من طاق لتأمين السماكة المطلوبة. بعد ذلك تأتي مرحلة اللف أو الجدل، وفيها تُبرم الخيوط مع بعضها حتى تتماسك. وقد بقي بعض الحرفيين محافظين على البرم اليدوي، بينما يستخدم آخرون ماكينة اللف في هذه المرحلة لتسريع العمل. ثم تأتي مرحلة التحبيك، أي وصل طرفي العقال، يليها التدريز، حيث تُبرم الخيوط الصوفية السوداء حول الحشوة باستخدام المسلّة.

بعد ذلك تُشكّل الحبال الدائرية وتُثبّت أطرافها، مع ترك مسافة تسمح بفتح العقال وشده على الرأس بحسب المقاس المطلوب. ثم يُطوى العقال ليصبح دائرتين فوق بعضهما، وهي الهيئة المعروفة للعقال التقليدي. وفي مرحلة الكسر، يُرش العقال بالماء ويوضع على القالب الخشبي حتى يثبت شكله، ثم يُضرب بقطعة خشبية غليظة تُسمى المدقّة ليزداد تماسكه. وإذا كان العقال مصنوعاً من الصوف الطبيعي، قد يُعرّض للنار للتخلص من الشوائب، ثم يُنظّف بفرشاة جافة قبل أن يصبح جاهزاً للاستعمال.

تكشف أدوات الحرفة عن طبيعة العمل اليدوي فيها. فـ القالب الخشبي يكون على هيئة كتلة هرمية تُسوّى من أعلاها بحسب مقدار العقال المطلوب، والمدقّة تُستخدم لضرب العقال على القالب لتماسك الخيوط، أما المسلّة فهي أداة تشبه الإبرة لكنها أكبر وأغلظ، وتُستخدم في حبك العقال في مراحله الأخيرة. هذه الأدوات البسيطة تحفظ علاقة مباشرة بين يد الحرفي والمادة، إذ يعتمد نجاح القطعة على مقدار الشدّ، والبرم، والدق، وضبط الدائرة.

وتحمل المصطلحات المهنية داخل الحرفة دلالات تقنية واضحة. فـ الجدل يعني لف الخيوط بعضها على بعض، والكسر يشير إلى ضرب العقال على القالب الخشبي حتى يأخذ شكله ويتماسك. أما التحبيك فيرتبط بوصل الطرفين، والتدريز بتثبيت منطقة الوصل أو تغطية الحشوة بالخيوط. هذه المفردات لا تصف مراحل العمل فقط، بل تكشف أن العقال يُبنى تدريجياً من الخيط إلى الدائرة، ومن الليونة إلى الصلابة، ومن المادة الخام إلى علامة اجتماعية مكتملة.

اجتماعياً، ارتبط العقال بالبادية والقرى والبيئات العشائرية، كما دخل في عادات وتقاليد تحمل معنى الفخر والرجولة والشهامة. فطريقة وضع العقال على الرأس قد تحمل رسائل غير مباشرة؛ إذ يمكن أن يدل وضعه مستقيماً على الوقار والمكانة، بينما تُفهم بعض أوضاعه الأخرى بوصفها علامات على الحالة الشخصية أو المزاج أو الموقف الاجتماعي. لذلك لا يُقرأ العقال كقطعة لباس منفصلة، بل كجزء من لغة الجسد والهيئة والعرف.

وتبرز رمزية العقال أيضاً في العادات العشائرية. فقد ارتبط خلع العقال أو إمالته، في بعض الحالات، بمعانٍ تتصل بالثأر أو الغضب أو طلب استرداد الحق. كما تظهر في المصالحات العشائرية رمزية إعادة العقال إلى الرأس بعد التنازل أو دفع الدية أو إتمام الصلح. وتدل عبارة مثل “نكست عقالنا” على الإساءة إلى كرامة العائلة أو الجماعة، بما يبيّن أن العقال لا يمثل صاحبه وحده، بل قد يمثل الجماعة التي ينتمي إليها.

وفي المدن والأسواق، وخصوصاً في سوق مدحت باشا بدمشق، يظهر العقلجي ضمن منظومة حرف اللباس التقليدي التي تربط المدينة بالريف والبادية. فالطلب على العقال لا يتركز في المدينة بالضرورة، بل يرتبط أكثر بالبادية والجزيرة وبالأسواق الخارجية، ولا سيما الخليج. لذلك تؤدي دمشق دوراً تجارياً وحرفياً في آن واحد: فهي موضع الورشة والمحل، لكنها تتصل بطلب يأتي من بيئات أوسع تحافظ على استعمال العقال بوصفه جزءاً من الزي اليومي أو الرسمي.

تبدو الحرفة اليوم قائمة لكنها متحوّلة. فعدد الممارسين في دمشق محدود، ويعمل بعضهم في ورش صغيرة داخل المحلات، بينما تظهر مراكز أخرى في حماة وحلب. ويُلاحظ أن الطلب على العقال ما زال موجوداً، خصوصاً في الأسواق المرتبطة بالبادية والتصدير، لكن الطريقة اليدوية الكاملة أصبحت أقل حضوراً. فقد دخلت ماكينة البرم في مرحلة لف الخيوط، وأصبح جزء من العمل آلياً لتوفير الوقت والجهد، بينما بقيت مراحل مثل التحبيك، والتدريز، والكسر، والتشطيب محتاجة إلى يد الحرفي وخبرته.

ولا تكمن خطورة التحول في استعمال الآلة بحد ذاته، بل في احتمال فقدان المعرفة اليدوية الدقيقة التي تمنح العقال قيمته الحرفية. فالماكينة تستطيع أن تسرّع البرم، لكنها لا تعوّض خبرة الحرفي في ضبط السماكة، ومرونة الدائرة، وشدّ الخيوط، وتماسك الطرفين، واستقرار العقال على الرأس. لذلك تشبه هذه الحرفة غيرها من الحرف السورية التي لم تختفِ منتجاتها، لكنها تواجه خطر تراجع الطريقة اليدوية التي كانت تصنع الفرق بين المنتج التجاري والمنتج الحرفي.

وتواجه حرفة العقلجي تحديين أساسيين: الأول هو منافسة العقال المستورد أو المنتج بسرعة وبسعر أقل، والثاني هو ضعف إقبال الأجيال الشابة على تعلم المراحل اليدوية الكاملة. ومع ذلك، لا تبدو الحرفة منقطعة عن السوق؛ فالطلب عليها ما زال قائماً، ولا سيما في البيئات التي لا يزال العقال فيها جزءاً من اللباس اليومي أو الرسمي. لذلك فالمسألة ليست إنقاذ منتج من الاختفاء، بل حفظ معرفة تقنية واجتماعية مهددة بالتبسيط والاختزال.

تُظهر حرفة العقلجي كيف يمكن لحبل من خيوط صوفية أو قطنية أن يتحول إلى علامة اجتماعية كثيفة المعنى. فالعقال يجمع بين الوظيفة والرمز: يثبت غطاء الرأس، لكنه يثبت أيضاً صورة صاحبه داخل جماعته. ومن التسداية إلى الجدل، ومن التحبيك إلى الكسر، تتشكل قطعة صغيرة تختزن تاريخاً من العادات، والمقامات، واللغة الشعبية، والعمل اليدوي. لذلك فإن توثيق هذه الحرفة لا يعني وصف طريقة صناعة العقال فقط، بل حفظ ذاكرة كاملة تتصل باللباس، والوقار، والعرف، والعلاقة بين السوق والبادية.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 315–316.
رمضان، محمد خالد. الحرفة الشامية والتراث الشعبي الشفاهي. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2009.
الأسدي، خير الدين. موسوعة حلب المقارنة. النسخة الإلكترونية.
كاتر، جوهانز، وآخرون. الفنون والحرف السورية. دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011.
مقرش، هتون. «نموذج توثيق حرفة العقلجي». توثيق ميداني، دمشق، سوق مدحت باشا، 15 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع كناز الجزائري.
اليغشي، أحمد خالد. «نموذج توثيق حرفة العكلجي». توثيق ميداني، دمشق، سوق مدحت باشا، 24 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع عماد الدين خلف أبو مروان.