حرفة الطرابيشي

توثيق: هتون مقرش، وماسة الطويل
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

26/04/2026

تُعدّ حرفة الطرابيشي من الحرف المرتبطة بتاريخ اللباس الرجالي في دمشق وسوريا عموماً، لأنها لا تختص بصناعة غطاء رأس فحسب، بل بقطعة حملت طويلاً دلالات الوقار، والمكانة، والانتماء الاجتماعي. فالطربوش لم يكن مجرد لباس يوضع على الرأس، بل علامة حضور في المجال العام، وعنصراً من عناصر الهيئة الشخصية التي تُقرأ من خلالها صورة الرجل ومقامه ومزاجه أحياناً. ومن هنا تأتي أهمية الطرابيشي بوصفه صانعاً وبائعاً لقطعة لعبت دوراً اجتماعياً ورمزياً يتجاوز وظيفتها العملية.

يعرّف قاموس الصناعات الشامية الطرابيشي بأنه بائع الطرابيش الملونة، يجلبها أو يستجلبها بأنصافها من البلاد التي تُصنع بها. ويذكر أن للطرابيش أصنافاً متعددة، منها الطربوش المعتاد، والمصري، والمغربي، ولكل نوع “طرة” تخصه. ويشير القاموس أيضاً إلى أن الطربوش كان رائجاً في دمشق إلى حدّ جعله شبه لازم في اللباس؛ فغالب أهالي دمشق كانوا يلبسون الطربوش العادي، بينما لبس بعض أهل الأطراف والقرى الطربوش العباسي. هذا التعريف يضع الحرفة في موقع تجاري واجتماعي في آن واحد، فهي حرفة بيع وصناعة، لكنها أيضاً حرفة تتعامل مع رمز بصري يومي من رموز اللباس.

ارتبط ظهور الطربوش وانتشاره بسياقات عثمانية واجتماعية واسعة. فقد حلّ الطربوش تدريجياً محل العمامة أو جاورها، ثم صار يُلفّ عليه أحياناً الأغباني أو العمائم البيضاء والخضراء بحسب المكانة والانتماء. ومع الزمن تحوّل إلى جزء من هيئة الرجال في المدن، ولا سيما لدى الموظفين، والأعيان، والأفندية، ورجال الأسواق. كما لبسته النساء في بعض المناطق ضمن أشكال خاصة من اللباس المحلي، مما يدل على أن الطربوش لم يكن قطعة واحدة ثابتة المعنى، بل دخل في أنظمة متعددة من الزي بحسب المنطقة والجنس والمكانة الاجتماعية.

في دمشق، ارتبطت الحرفة بأسواق مثل مدحت باشا، والمرجة، والميدان، وباب الجابية، كما ارتبطت بالأسواق التي كانت تخدم اللباس التقليدي وتفصيله. وكان الطرابيشي يتعامل مع زبائن تختلف حاجاتهم: فمنهم من يطلب الطربوش للوجاهة اليومية، ومنهم من يحتاجه لمناسبة أو وظيفة أو فرقة إنشاد أو عرض تراثي. لذلك لم يكن الطربوش مجرد سلعة جاهزة، بل قطعة تخضع للمقاس، واللون، والشكل، ونوع الاستخدام.

تبدأ صناعة الطربوش التقليدي من قياس محيط رأس الزبون إذا كان الطربوش مفصلاً لشخص بعينه، أو من اعتماد مقاسات ثابتة إذا كان معداً للبيع العام. ثم يُحضّر قماش الجوخ الخام مع قالب داخلي من القش، حيث يعمل القش على دعم البنية الداخلية للطربوش وإكسابه المتانة والشكل. بعد ذلك يوضع الطربوش على قالب نحاسي كان يُسخّن بالنار، ثم يُكبس ويُشدّ بالمكبس ليأخذ هيئته. وفي مرحلة لاحقة يُطلى جداره الداخلي بالنشاء، ويُترك على القالب حتى يجف ويثبت شكله النهائي، ثم تُركّب الشرابة المصنوعة من خيوط حريرية، وتضاف قطعة قماش داخلية عند أسفل الطربوش لحماية الجبهة من التعرق والحساسية.

تكشف هذه المراحل أن الطربوش التقليدي لم يكن مجرد قطعة قماش ملفوفة، بل بنية مصنوعة بعناية من طبقات ومواد متعددة: جوخ، وقش، ونشاء، وشرابة، وبطانة داخلية. كما تكشف أن الحرفة كانت تقوم على معرفة دقيقة بالشكل والصلابة والراحة. فالطرابيشي لا يصنع غطاء رأس فقط، بل يصنع قطعة يجب أن تحفظ شكلها، وتثبت على الرأس، وتبدو متناسقة مع هيئة صاحبها.
ومن المصطلحات المهنية المرتبطة بالحرفة البلص، وهو الطربوش المؤلف من قطعة واحدة والمصنوع على قالب نحاسي، والمقشش، أي الطربوش المصنع داخلياً من القش، والشرابة، وهي مجموعة الخيوط الحريرية المدلاة، والمقولبجي، وهو الشخص الذي يكوي الطربوش على القالب. هذه المصطلحات مهمة لأنها تحفظ مراحل اندثرت أو كادت تندثر، ولا سيما صناعة الطربوش المقشش الذي لم يعد يُصنع اليوم إلا نادراً، وإن وُجد فمنه غالباً قطع قديمة أو مستعملة.

تغيّرت مواد الحرفة وأساليبها تغيراً كبيراً. فالطربوش التراثي القديم كان يعتمد على الجوخ الخام، والقش، والنشاء، والقالب النحاسي، والمكبس المعدني، بينما يعتمد الطربوش الحديث غالباً على المخمل من الخارج والكرتون من الداخل مع مواد لاصقة. وهذا التحول ليس تفصيلاً تقنياً بسيطاً؛ فهو يعكس انتقال الطربوش من قطعة لباس يومية عالية الطلب إلى منتج محدود الاستخدام، يُطلب غالباً للتراث، والإنشاد، والدراما، والفرق الشعبية، وبعض المحال التي تستثمر في الصورة التقليدية. ومع انخفاض الاستخدام اليومي، تراجعت الحاجة إلى الصنعة الدقيقة التي كانت تمنح الطربوش متانته ووقاره.

كان للطربوش حضور اجتماعي واضح في الحياة اليومية. فقد كان الخروج حاسر الرأس في زمن رواجه فعلاً مستغرباً، وقد يرتبط في المخيال الشعبي بالخروج عن المألوف أو التمرد على العرف. كما كانت طريقة وضع الطربوش تحمل دلالات اجتماعية: فاستقامته قد تدل على الوقار والاعتدال، وميله إلى الخلف قد يُقرأ بوصفه علامة ارتياح أو مزاج رائق، وميله إلى الأمام قد يوحي بالغضب أو الانفعال. بهذا المعنى، لم يكن الطربوش شيئاً صامتاً؛ بل كان جزءاً من لغة الجسد والهيئة.

كما دخل الطربوش في الذاكرة الشعبية والأمثال. فعبارة مثل “تعا لبيس طربوشي” تحمل معنى التهكم، كأنها دعوة للآخر أن يأخذ مكان صاحبها ويتحمل موقعه. وعبارة “من تحت الطربوش” توحي بما يُدبّر أو يُحاك في الخفاء، خصوصاً في سياقات القرار والوجاهة. أما “معنكز طربوشو” أو “مقنزع طربوشو” فتدل على التكبر أو المباهاة. هذه العبارات تكشف أن الطربوش لم يكن حاضراً في اللباس فقط، بل في اللغة أيضاً.

تراجعت حرفة الطرابيشي مع تغير أنماط اللباس الحديثة، وتخلي الناس عن الطربوش بوصفه غطاء رأس يومياً. وساهمت عوامل متعددة في هذا التراجع: قلة الطلب، ارتفاع أسعار المواد الأولية، صعوبة تأمين القماش المناسب، ومنافسة الطرابيش المصنوعة بمواد أرخص وجودة أقل. كما لم يعد الطربوش ضرورياً للتعبير عن المكانة الاجتماعية كما كان سابقاً، فتحول من لباس يومي إلى قطعة تراثية أو أدائية تُطلب في مناسبات محدودة.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى الحرفة بوصفها منتهية تماماً. فهي ما زالت موجودة بشكل محدود جداً، حيث يُذكر أن في دمشق طرابيشياً واحداً تقريباً يواصل المهنة، مع عدد قليل في حلب. وهذا البقاء المحدود يجعل توثيق الحرفة أمراً ملحاً، لأن ما يوشك على الاندثار ليس المنتج وحده، بل معرفة القوالب، والمقاسات، والتشكيل، والكي، وتركيب الشرابة، والتمييز بين الطربوش المقشش والطربوش الحديث.

تُظهر حرفة الطرابيشي كيف يمكن لقطعة صغيرة من اللباس أن تختصر تاريخاً واسعاً من التحولات الاجتماعية والسياسية والذوقية. فالطربوش انتقل من رمز للوقار والهيئة العامة إلى علامة تراثية تستدعي زمناً مضى. وصانع الطرابيش، في هذا التحول، لم يفقد زبائنه فقط، بل فقد السياق الاجتماعي الذي كان يجعل مهنته ضرورية. لذلك فإن حفظ هذه الحرفة لا يعني فقط عرض الطربوش في الواجهات التراثية، بل توثيق طرق صنعه، وأدواته، ومصطلحاته، وأسواقه، والذاكرة الاجتماعية التي جعلت منه يوماً جزءاً من صورة المدينة ورجالها.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 292–293.
الأسدي، خير الدين. موسوعة حلب المقارنة. النسخة الإلكترونية.
مقرش، هتون. «نموذج توثيق حرفة الطرابيشي». توثيق ميداني، دمشق، سوق مدحت باشا، 15 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع أبو حسن الطرابيشي.
الطويل، ماسة. «نموذج توثيق حرفة الطرابيشي». توثيق ميداني، دمشق، أسواق المرجة والميدان وباب الجابية، 15 شباط/فبراير 2026.