توثيق: أحمد خالد اليغشي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الأَتوني من الحرف المرتبطة بمواد البناء التقليدية، وهي تختلف عن كثير من الحرف اليدوية لأنها لا تنتج قطعة صغيرة قابلة للحمل أو اللبس، بل تنتج مادة أساسية تدخل في العمارة والطلاء والعزل. فالأَتوني لا يعمل في النسيج أو الخشب أو المعدن، بل في تحويل الحجر الكلسي بالنار إلى مادة نافعة تُستخدم في دهان البيوت القديمة، وحماية جذوع الأشجار، وبعض الاستخدامات الريفية الأخرى. ومن هنا تأتي خصوصية هذه الحرفة؛ فهي حرفة تقوم على العلاقة بين الأرض، والنار، والحجر، والبناء.
يرتبط اسم الحرفة بـ الأَتون، أي الفرن الكبير الذي تُحرق فيه الحجارة الكلسية. ويعرّف قاموس الصناعات الشامية الأَتوني بأنه من يعمل الجير، والجص، والكلس، في محل مخصوص تُحرق فيه أحجار معينة حتى تفقد رطوبتها ويتحوّل لونها إلى البياض. وهذا التعريف يضع الحرفة ضمن الصناعات الضرورية للعمران، لأنها تنتج مادة لا يستغني عنها البناء التقليدي، ولا سيما في تبييض الجدران وطلاء البيوت.
تبدأ الحرفة من إنشاء الفرن، وهو فرن كبير يُبنى من القرميد أو الطوب الحراري، ثم تُجمع الحجارة من الجبال، مع اختيار الحجارة البيضاء أو الحجارة التي تحتوي على الكلس. بعد ذلك تُصفّ الحجارة داخل الفرن بشكل هرمي، من الكبيرة إلى الصغيرة، بحيث يسمح ترتيبها بمرور النار والحرارة بين الطبقات. وهذه المرحلة تكشف أن العمل لا يقوم على الحرق وحده، بل على معرفة بطريقة ترتيب الحجر داخل الفرن حتى تصل الحرارة إلى جميع أجزائه.
بعد تصفيف الحجارة، تُوقد النار تحتها لمدة طويلة قد تصل إلى أربعين ساعة. وهذه المرحلة هي قلب الحرفة، لأنها تحوّل الحجر من مادته الطبيعية إلى مادة قابلة للاستعمال. ثم تُترك الحجارة لتبرد مدة تتراوح بين ثماني وعشر ساعات، قبل أن تُعبأ في أكياس، غالباً بوزن خمسة وعشرين كيلوغراماً، وتباع للتجار. بهذا المعنى، تقوم الحرفة على زمن طويل: زمن جمع الحجر، وزمن بناء الفرن، وزمن النار، وزمن التبريد، ثم زمن التعبئة والنقل.
تُظهر هذه المراحل أن الأَتوني لا يصنع الكلس بيده مباشرة كما يفعل الخياط أو الطرّاز مع القماش، بل يدير عملية تحويل مادية واسعة، تعتمد على الحرارة والانتظار والخبرة في اختيار الحجر والوقود. فنجاح الحرفة لا يظهر في شكل الأداة، بل في معرفة نوع الحجر، ومدة الحرق، ودرجة الحرارة، ووقت التبريد. وإذا اختلّت هذه المراحل، لا ينتج الكلس بالجودة المطلوبة، أو يبقى الحجر ناقص التحول.
ارتبطت الحرفة بالأرياف الشمالية، ولا سيما ريف إدلب وريف حماة، بسبب توفر الحجارة الكلسية في تلك المناطق. وهذا الارتباط المكاني مهم، لأن الحرفة لا تستطيع أن تنشأ في أي مكان؛ فهي تحتاج إلى مصدر قريب للحجر، ومكان يسمح ببناء الفرن وإشعال النار، ومحيط ريفي يتحمل طبيعة العمل وما يرافقه من دخان وجهد. لذلك تبدو حرفة الأتوني مثالاً واضحاً على الحرف التي تتشكل بحسب البيئة الطبيعية لا بحسب السوق وحده.
ومن الناحية العمرانية، كان الكلس مادة ضرورية في البيوت القديمة. فقد استُخدم في دهان الجدران وتبييضها، وفي العزل والحماية، كما ارتبط بمواد البناء التقليدية قبل انتشار الدهانات الكيميائية الحديثة. لذلك لا يمكن فهم الأتوني كحرفة إنتاجية فقط، بل كجزء من تاريخ العمارة الشعبية، حيث كانت البيوت تحتاج إلى مواد محلية قابلة للتجديد والصيانة، ومتلائمة مع المناخ والمواد المتاحة.
ولا تقف استخدامات الكلس عند البناء وحده. فقد دخل أيضاً في حماية جذوع الأشجار وعزلها من بعض الآفات، كما استُخدم في بعض الصناعات الريفية مثل صناعة المربيات، ويستفيد منه أصحاب الدواجن في بعض الاستخدامات العملية. هذا التنوع في الاستعمال يكشف أن الكلس كان مادة يومية متعددة الوظائف، تربط بين البيت، والحقل، والغذاء، وتربية الحيوانات. وبذلك تتجاوز الحرفة حدود البناء لتصبح جزءاً من اقتصاد ريفي أوسع.
وتكشف الحرفة عن علاقة قديمة بين النار والمواد المحلية. فالحجر الكلسي لا يصبح مادة بيضاء صالحة للاستعمال إلا بعد الحرق الطويل، وهذا يجعل الأتوني قريباً من حرف أخرى تقوم على تحويل المادة بالنار، مثل الفخار أو بعض صناعات المعادن، مع اختلاف المنتج النهائي. غير أن خصوصيته تكمن في أن الناتج لا يُعرض كقطعة فنية، بل يُستهلك داخل الجدران، والطلاء، والعزل، والزراعة. لذلك تكون قيمة الحرفة غالباً غير مرئية، لأنها تختفي داخل العمارة والاستخدام اليومي.
تواجه حرفة الأتوني اليوم تحديات واضحة. فقد أدّى انتشار مواد الطلاء الكيميائية والمواد الحديثة في البناء إلى تراجع الطلب على الكلس التقليدي. كما أن غلاء الحطب أو صعوبة توفره بسعر مناسب أثّر في تكلفة الإنتاج، ودفع بعض العاملين إلى استخدام الأغصان أو روث الحيوانات كبدائل للوقود. وتضاف إلى ذلك إمكانية انتقال إنتاج الكلس إلى مصانع كبيرة بتقنيات حديثة، وهو ما قد يُبقي المادة نفسها في السوق، لكنه يهدد الحرفة التقليدية بوصفها معرفة ريفية مرتبطة بالفرن والحجر والعمل اليدوي.
ومع ذلك، لا تزال الحرفة قائمة في بعض الأرياف، ولا سيما في ريف إدلب وريف حماة. وهذا الاستمرار يدل على أن الكلس ما زال مطلوباً في بعض الاستخدامات، وإن كان حضوره أقل من السابق في البناء داخل المدن. وفي دمشق، يمكن أن يظهر الكلس في سوق مواد البناء، لكنه غالباً يأتي من الأرياف المنتجة، ما يبيّن أن المدينة تستهلك المادة بينما يحتفظ الريف بجزء من معرفة إنتاجها.
تُظهر حرفة الأتوني أن التراث الحرفي لا يقتصر على المنسوجات، والأزياء، والزخارف، بل يشمل أيضاً مواد البناء والصيانة التي صنعت ملامح البيوت القديمة. فالكِلس مادة متواضعة في ظاهرها، لكنها تحمل تاريخاً من المعرفة بالبيئة، والحجر، والنار، والعمارة. وحفظ هذه الحرفة يعني توثيق طريقة بناء الفرن، واختيار الحجارة، ومدة الحرق، وأنواع الوقود، ومسارات البيع، لا الاكتفاء بتوثيق المادة النهائية.
إن الأتوني شاهد على مرحلة كان فيها البناء يعتمد على مواد محلية ومعارف عملية متوارثة. ومع انتقال السوق إلى الدهانات الصناعية والمصانع الحديثة، يصبح الخطر الحقيقي ليس في اختفاء الكلس وحده، بل في اختفاء المعرفة التي كانت تحوّل الحجر إلى مادة نافعة للبيت والحقل. لذلك تمثّل حرفة الأتوني جانباً مهماً من التراث السوري المرتبط بالعمران الريفي، وباقتصاد المواد، وبالخبرة الطويلة التي صنعت من النار أداة لتحويل الطبيعة إلى عمارة.
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 34.
اليغشي، أحمد خالد. «نموذج توثيق حرفة الأتوني». توثيق ميداني/إعلامي، ريف إدلب وريف حماة، 20 شباط/فبراير 2026. مادة عن ظهير الدسوقي.