توثيق: محمد وسام الحلبي
تحرير: لين مهنا
مراجعة: د. هلا قصقص
يُعدّ الأرز بالبازلاء، أو رز بزاليا، من الأطباق المنزلية التقليدية المعروفة في المطبخ السوري، وهو طبق بسيط في مكوّناته، متوازن في نكهته، ومرتبط بسياقات موسمية واجتماعية واضحة. يقوم هذا الطبق على الأرز المطبوخ مع البازلاء الخضراء، ويُضاف إليه أحياناً اللحم المفروم أو قطع اللحم، مع قدر من التوابل الخفيفة التي تمنحه نكهة معتدلة تجمع بين الطابع النباتي الطازج والدسم الخفيف. كما يتميّز بمظهره البصري القائم على التوازن بين بياض الأرز وخضرة البازلاء، وهو ما يمنحه حضوراً مميزاً على المائدة المنزلية.
ويصف اسم الطبق مكوّنَيه الأساسيين وصفاً مباشراً، إذ يتألف من الأرز والبازلاء، وهو ما يعكس الطابع العملي للتسمية في المطبخ المحلي. ويرتبط الطبق أيضاً بالمواسم الزراعية، إذ يُحضّر غالباً في فصل الربيع، حين تتوافر البازلاء الطازجة في الأسواق والحقول، فيغدو حضوره تعبيراً عن بداية الموسم وعن وفرة الخضار الطازجة بعد الشتاء. ومن الناحية اللغوية، عُرفت البازلاء في بعض المصادر القديمة بأسماء أخرى، مثل البِسِلّة والجُلبان، وهو ما يدل على قدم معرفة هذا النبات في البيئة العربية، حتى وإن تنوّعت تسمياته بحسب العصور والمناطق.
ويحضر الأرز بالبازلاء في مختلف أنحاء سوريا، سواء في البيوت أو المطابخ العامة أو المطاعم، كما يُقدَّم في بعض المناسبات والاحتفالات والأعراس ضمن صوانٍ كبيرة يُطلق عليها أحياناً منسف رز بزاليا. ومن هنا لا يقتصر الطبق على كونه طعاماً منزلياً يومياً، بل يتجاوز ذلك إلى بعد اجتماعي يرتبط بالضيافة والجمعات العائلية والمناسبات. كما أن انتشاره الواسع يكشف عن مرونته وسهولة تكيّفه مع السياقات المختلفة، من مائدة البيت البسيطة إلى الولائم الأكبر حجماً.
أما أدوات إعداد الطبق، فتشمل عادةً قدراً كبيراً للطبخ، ومقلاة لتحمير بعض المكونات، وصواني أو أوعية كبيرة للتقديم، بالإضافة إلى الملاعق المستخدمة في التحريك والسكب. وتقوم مكونات الطبق على الأرز والبازلاء واللحم، مع إمكانية الجمع بين قطع اللحم واللحم المفروم بحسب الرغبة، ويُضاف إليها السمن النباتي والملح والفلفل وبعض المنكّهات والمعطرات مثل الهيل والزنجبيل وعود القرفة وورق الغار والقرنفل، فضلاً عن بصلة تُستخدم عند سلق اللحم. وقد تُضاف المكسرات في النهاية للزينة، مثل الفستق الحلبي والكاجو واللوز المقشر والصنوبر، الأمر الذي يرفع الطبق من مستوى الوجبة المنزلية البسيطة إلى مستوى أكثر احتفالية عند التقديم.
وتبدأ طريقة التحضير بنقع الأرز القصير في ماء دافئ مع الملح مدة تقارب نصف ساعة، وهي خطوة أساسية لضبط قوامه عند الطهي. وفي الوقت نفسه يُسلق اللحم مع البصلة والمعطرات حتى ينضج، ثم يُضاف الملح في المراحل الأخيرة من السلق. أما البازلاء فتُقلى على نار هادئة مع مقدار من السمن النباتي من دون تغطية، حفاظاً على لونها الأخضر ومنع تحوّله إلى الاصفرار. وبعد نضج اللحم، يُحمّر بقليل من السمن ويُخلط مع البازلاء، ليشكّلا معاً مزيجاً أساسيا في الطبق. ثم يُطهى الأرز بإضافة الماء ومقدار من مرق اللحم، على نار هادئة، حتى يستوي.
وفي مرحلة لاحقة، يمكن توزيع اللحم والبازلاء بحسب الرغبة، إما بخلط جزء منهما مع الأرز أثناء الطهي أو بتقديم كل مكوّن على حدة عند السكب النهائي. وبعد ذلك تُحمّص المكسرات في قليل من السمن مع رشة ملح، ثم يُسكب الطبق في صوانٍ أو وعاء كبير، ويُزيَّن باللحم والبازلاء والمكسرات المحمّصة. وغالباً ما يُقدَّم إلى جانب اللبن بالخيار أو اللبن العادي، بما يعزز توازنه الغذائي ويضفي عليه بُعداً مألوفاً في المائدة السورية.
وقد وردت إشارات إلى هذا الطبق، أو إلى صيغ قريبة منه، في عدد من المصادر التاريخية القديمة. فمن ذلك ما جاء في الوَصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات لابن العديم، حيث ورد وصف لطبق من الأرز يُطهى مع اللحم ومكونات نباتية مثل الحمص أو الفستق الأخضر، ويُعطّر بماء الورد ويُذر عليه السكر، بما يكشف عن تنوع صيغ أطباق الأرز في التراث الغذائي العربي. كما تشير بعض النصوص إلى وفرة المحاصيل الزراعية في دمشق، ومنها البسلة، وهو ما يضع البازلاء ضمن السياق الأوسع للزراعة المحلية والمواد الغذائية المتاحة على مدار العام. كذلك يذكر ابن البيطار نبات الجلبان في الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ويميّز بين أنواعه، موضحاً خصائصه الغذائية واستعماله في الأكل، الأمر الذي يدل على رسوخ هذا النبات في المعرفة النباتية والغذائية العربية.
ومع مرور الزمن، شهد طبق الأرز بالبازلاء عدداً من التحولات في مكوناته وطرائق حفظ مواده الأساسية. فقد أصبح من الشائع اليوم استخدام أنواع مختلفة من اللحوم، مثل لحم العجل أو الدجاج، كما تغيّرت وسائل حفظ البازلاء؛ فبعد أن كانت تُجفف في بعض البيئات، أصبح تفريزها الوسيلة الأوسع انتشاراً. وفي بعض المناطق تُضاف إلى الطبق مكونات أخرى مثل الجزر أو الذرة أو رب البندورة، كما تتغير أنواع المكسرات والتوابل بحسب الذائقة المحلية والإمكانات المتاحة. وتكشف هذه التحولات عن مرونة الطبق وقدرته على التكيّف مع الواقع المعاصر، من دون أن يفقد بنيته الأساسية القائمة على مزج الأرز بالبقول الخضراء في صيغة غذائية متوازنة.
ويُعدّ الأرز بالبازلاء من الأطباق التي تجمع بين البساطة والقيمة الغذائية، إذ يقوم على دمج الحبوب بالخضار في وجبة مشبعة ومتكاملة، مع إمكانية إضافة اللحم أو الاستغناء عنه تبعاً للقدرة الاقتصادية أو العادات الغذائية. ولهذا ارتبط في بعض البيئات بصورة الطعام الذي يجمع بين الاقتصاد والفائدة، حتى إن بعض المناطق أطلقت على البازلاء باللحمة وصفاً شعبياً يشير إلى قيمتها الغذائية العالية مقارنة ببساطة مكوناتها. ومن هنا يمكن النظر إلى هذا الطبق بوصفه جزءاً من التراث الغذائي السوري غير المادي، لأنه يحفظ في مكوناته واسمه وطريقة تحضيره علاقةً واضحة بين الزراعة الموسمية والطبخ المنزلي والذاكرة الاجتماعية.
المراجع
• ابن العديم، الوَصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات، ص. 66، الوصفة رقم 92.6.
• ابن العديم، الوَصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات، ص. 308.
• ابن البيطار، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ص. 226، مادة جلبان.
• Cookpad، “طريقة عمل الأوزي أو أرز بالبازيلا”:
https://cookpad.com/sa/%D9%88%D8%B5%D9%81%D8%A7%D8%AA/501815
• YouTube، “طريقة عمل الأرز باللحمة والبازلاء | أكلات ديما”:
• YouTube، “كيف مطبخ منال الفريكة ورز بازيلا”: