البربارة

قمحية الحليب بين عيد البربارة وذاكرة القمح في الساحل السوري

توثيق: لمى وحود
تحرير: لين مهنا
مراجعة: د. هلا قصقص

تُعدّ البربارة، أو القمحية بحليب، من الأطباق التراثية المعتمدة على حبوب القمح، وهي من الأطعمة التقليدية التي حافظت على حضورها في الذاكرة الغذائية السورية، ولا سيما في الساحل السوري وريف جبلة. ويقوم هذا الطبق على القمح المقشور بوصفه المكوّن الأساسي، ويُقدَّم في صيغة حلوة هي الأكثر شيوعاً في المناسبات، كما تُعرف له صيغ أخرى من دون حليب أو بصيغة مالحة في بعض البيئات المنزلية. وتكشف البربارة عن استمرارية نمط غذائي قديم يرتبط بالقمح بوصفه مادة مشبعة وذات مكانة رمزية في الثقافة المحلية، كما يجمع الطبق بين البعد الاحتفالي والبعد المنزلي في آن واحد.
ويرتبط هذا الطبق بسياق اجتماعي وديني واضح، إذ يحضر في الأوساط المسيحية بمناسبة عيد البربارة، حيث يُعدّ بوصفه صنفاً من الحلويات ويوزَّع في الكنائس والمنازل. كما يُنظر إليه بوصفه طبقاً تراثياً يتجاوز مجرد المناسبة الدينية ليحمل دلالة اجتماعية أوسع تتصل بالاحتفال والجماعة واستعادة الأطعمة الموروثة. وتشير المادة الموثقة إلى أن من يتولّى تحضيره غالباً هم كبار السن، بحكم صلته بالمعرفة التقليدية المتوارثة، كما أن تعلّمه مرتبط بالمجتمع أكثر من ارتباطه بوصفة عائلية فردية، وهو ما يبرز مكانته ضمن الذاكرة الجماعية المحلية.
وفي صيغته الحلوة، التي تُوثَّق هنا بوصفها الصيغة الأساس، تعتمد البربارة على القمح المقشور والحليب الكامل الدسم والسكر والنشاء، مع ماء الورد وماء الزهر، ثم تُزيَّن بحسب الرغبة بجوز الهند أو المكسرات أو حبوب الشوكولا الملوّنة، التي تُعرف محلياً باسم السميري. وتبدأ طريقة التحضير بنقع القمح ليلة كاملة، ثم سلقه جيداً حتى تتفتح حباته وتصبح طرية للغاية مع التحريك المستمر لمنع الالتصاق. وبعد ذلك يُضاف الحليب ويُترك المزيج ليغلي، ثم يُضاف السكر، ويليه النشاء المذاب بكمية قليلة من الحليب حتى يثخن القوام، ثم تُضاف المعطرات في المرحلة الأخيرة. وبعد اكتمال الطهي يُسكب الطبق ساخناً في زبادي التقديم ويُترك حتى يبرد، ثم يُزيَّن بالقرفة أو جوز الهند أو المكسرات أو السميري بحسب الرغبة.
وتكشف هذه الصيغة عن منطق طهوي يقوم على تحويل القمح، وهو مادة حقلية أساسية، إلى حلوى احتفالية دافئة تجمع بين الإشباع والطابع الرمزي. فالحليب هنا لا يؤدي دوراً غذائياً فقط، بل يضفي على الطبق نعومة وقواماً كريمياً يميزه عن غيره من أطباق القمح التقليدية، بينما تؤكد المعطرات والزينة على انتقاله من خانة الطعام البسيط إلى خانة الحلوى المناسبة للمشاركة والتوزيع. كما أن تقديمه في أطباق صغيرة بعد أن يبرد يضفي عليه بُعداً احتفالياً واضحاً يجعله ملائماً للسياق الجماعي الذي يُحضر فيه.
وتُعرف للبربارة أيضاً صيغ أخرى في التداول الشعبي، من بينها صيغة مالحة تقوم على القمح المسلوق مع اللحم أو الدجاج والمرق والمطيبات، وتُقدَّم ساخنة بعد هرس المزيج وتقليبه بالسمن, وهو ما يشير إلى تعدد أشكال الطبق داخل الثقافة الغذائية السورية. وتكشف هذه الصيغ المتنوعة أن البربارة لا تنحصر في وصفة واحدة جامدة، بل تمثل عائلة من الأطباق القائمة على القمح، تتبدل مكوناتها بحسب المناسبة والسياق الاجتماعي ونوع التقديم، بين الحلو والمالح، وبين ما يُقدَّم كحلوى وما يُقدَّم كطبق أكثر كثافة وإشباعاً.
ومن الناحية الاصطلاحية، تبرز في المادة بعض التعابير المحلية المرتبطة بالطبق، مثل استعمال حنطة مرادفاً للقمح، والسميري للدلالة على حبوب الشوكولا الملوّنة المخصصة للتزيين. كما يرد ذكر إمكان استخدام قدر الضغط لتسريع عملية السلق، وهو ما يعكس تكيّف الممارسة التقليدية مع الأدوات الحديثة من دون أن يطرأ تغير جوهري على بنية الوصفة نفسها. وتؤكد المادة صراحة أن الوصفة، في صيغتها الموثقة، لم تتغير مع الزمن، وهو ما يمنحها قيمة إضافية بوصفها ممارسة ما تزال محتفظة بشكلها التقليدي في الذاكرة المحلية.
أما من الناحية التاريخية، فتُربط البربارة بتقاليد أقدم في طبخ القمح. ففي كتاب الطبيخ لابن سيار الوراق ترد وصفة تحت عنوان حنطيات تقوم على طبخ القمح مع اللحم، مع الإشارة إلى إمكان خلطه بلبن الحليب وإضافة السكر، وهو ما يفتح أفقاً لفهم هذا الطبق ضمن سياق أوسع من وصفات القمح المطبوخ في التراث العربي. كما يرد في كتاب الطباخة لابن المبرد الدمشقي ذكر لطبق قريب من هذا المنطق يجمع القمح باللحم، مع ملاحظة إمكان إضافة الحليب إليه. وتفيد هذه الإشارات بأن البربارة، بصيغتها الحلوة أو القريبة من الحلو، لا تنفصل عن تاريخ طويل من أطباق القمح التي انتقلت بين أشكال متعددة قبل أن تستقر في بعض البيئات السورية بوصفها حلوى احتفالية معروفة.
ومن هنا يمكن النظر إلى البربارة بوصفها جزءاً من التراث الغذائي السوري غير المادي، لأنها لا تختزن وصفة طعام فحسب، بل تحمل أيضاً طبقات من المعنى تتصل بالموسم والاحتفال والقمح والذاكرة الجماعية. فهي طبق يقوم على مادة زراعية أساسية، لكنه يتحول في سياق اجتماعي مخصوص إلى علامة على المشاركة والضيافة والاحتفاء، ولا سيما حين يرتبط بعيد ديني أو بمناسبة جماعية. ولهذا فإن البربارة تمثل مثالاً واضحاً على كيفية تحوّل الطعام في الثقافة المحلية إلى وعاء للذاكرة والهوية والعادة الاجتماعية.

المراجع
• ابن سيار الوراق، كتاب الطبيخ، ص. 231، تحت عنوان حنطيات.
• ابن المبرد الدمشقي، كتاب الطباخة، ص. 118.
• “البربارة في الساحل.. القمح والحطب في الكوّارة”.
• طريقة تحضير قمحية بحليب | مطبخ بيتي: https://www.youtube.com/shorts/SRnJFmwOVXQ
• https://www.youtube.com/watch?v=1ekOBGHkOCg