توثيق: علي عوير
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ الفطاير من أهم المخبوزات التراثية في محافظة درعا، وأحد أبرز نماذج المطبخ الدرعاوي القائم على الصاج وعلى المؤونة الموسمية. تُعرف هذه الفطائر بأسماء متعدّدة بحسب الحشوة، فيقال فطاير كشك وفطاير سبانخ وفطاير قرع وفطاير لحمة وفطاير عكّوب، فيما يبقى الإطار الأصيل الذي يجمعها هو الفطيرة الدرعاوية الكبيرة المستديرة، تختلف عن سائر أنواع الفطائر بحجمها الكبير وشكلها الدائري وطريقة خبزها على الصاج. وتُحضَّر تقليدياً بالحشوة الأكثر التصاقاً بالموروث المحلي، وهي الكشك الدرعاوي المميَّز، إلى جانب تنويعاتٍ تتعدّد بحسب الموسم وبحسب البيوت، فتشمل الكشك والسبانخ والسلق والبطاطا والجبنة البيضاء واللحمة والقرع المعروف بـاليقطين والزعتر البرّي الأخضر والعكّوب، وهو عشبةٌ شوكيةٌ بريةٌ تُعرف في دمشق بنبتة السلبين.
تحفظ الذاكرة العائلية للفطاير سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله السيدة لطفية عن نساء عائلتها وعن المحيط الذي تربّت فيه. ترتبط الفطاير في الموروث الدرعاوي بأوقاتٍ محدّدة؛ فهي تحضر في صباح أول أيام العيد، وفي المناسبات الكبرى، وفي موسم الكشك حين تُعدّ المؤونة. وفي تلك اللحظات تتجمّع العائلة حول الأم في مطبخ البيت للمساعدة ومشاهدة فنون العجن والخبز، ورؤية كيف تتحوّل كل كرة عجينٍ بسيطةٍ إلى فطيرةٍ ذهبيةٍ مقرمشةٍ تفوح بالحبّ والذكريات. ولذلك ليست الفطاير مجرّد طعام، بل جزءٌ أساسيٌّ من بهجة الذاكرة، يمثّل طعمها رمز الفرح والاحتفال. وتتفنّن الجدّات بخبرتهن الطويلة في صنع فطائر كبيرةٍ ورقيقةٍ تُشبه اللوحة الفنية حين تستوي على الصاج. وتحضر الفطاير في الأفراح بوصفها احتفاءً وتشاركاً، وفي الأحزان توزَّع على الحاضرين لجلب البركة والتصدّق، فيتعدّد دورها الاجتماعي وتظلّ حاضرةً في مفاصل الحياة من بدايتها إلى نهايتها. ومن هذه المكانة الموروثة خرج المثل الشعبي أُكل فطاير وانسى اللي صاير، إشارةً إلى قدرة الفطيرة الدرعاوية على إدخال السرور إلى النفس وإنساء الإنسان همومه.
تتشابك الفطاير الدرعاوية مع تقاليد طويلةٍ في كتب الطبخ القديمة، وإن لم يَرِد طبقٌ بهذا الاسم في المصادر الوسيطة. فالكشك من المكوّنات التراثية القديمة، وقد ذُكر في عدّة وصفاتٍ تحت مسمّى كشك؛ من ذلك ما أورده ابن المبرد الدمشقي في كتاب الطباخة في وصفتي الكشك، وما ذكره ابن سيّار الورّاق في كتاب الطبيخ في وصفتين أُخريين، وإن كانت أغلب أطباق الكشك المذكورة في تلك الكتب تطهى مع البقول أو اللحم لا مع العجين على الصاج. أما الفطائر والمخبوزات بأشكالها المتعدّدة فهي حاضرةٌ في كتب العصر العباسي تحت مسمّياتٍ وطرقٍ مختلفة، وكانت تُحشى بحشواتٍ متنوّعة. وبهذا يمكن القول إن الفطيرة الدرعاوية بصورتها الكبيرة المستديرة المخبوزة على الصاج تُعدّ خلاصةً محليةً أصيلةً، استثمرت تقاليد المخبوزات والكشك معاً لتُنتج صنفاً يحمل بصمة الجنوب السوري.
تقوم العجينة الدرعاوية على مكوّناتٍ بسيطةٍ تكفي لتحضير سبع فطائر؛ هي ستة أكوابٍ من الطحين وملعقتان من الخميرة وملعقةٌ من الملح وملعقةٌ من القزحة أي حبّة البركة، وملعقةٌ من السكر وثلاثة أكوابٍ من الماء. أما حشواتها فتتعدّد بحسب الموسم والذوق. تُحضَّر حشوة الكشك من كوبٍ من الكشك المجفّف وأربع حبّاتٍ من الطماطم وثلاث بصلاتٍ كبيرةٍ وربع كوبٍ من زيت الزيتون والملح والفلفل، مع إمكان إضافة ربع كيلو من اللحم. وتُحضَّر حشوة السبانخ من كيلو من السبانخ وثلاث حبّاتٍ من الطماطم وثلاث حبّاتٍ من البصل، مع الملح والفلفل وربع كوبٍ من دبس الرمّان وملعقةٍ من السمّاق وربع كوبٍ من عصير الليمون وربع كوبٍ من زيت الزيتون، ويُضاف ربع كيلو من اللحمة الناعمة بحسب الرغبة. وتُحضَّر حشوة السلق من كيلو من السلق مع البصل والملح والفلفل ودبس الرمّان والسمّاق وزيت الزيتون، مع إمكان إضافة حبّة بندورةٍ وربع كيلو من اللحمة الناعمة. وتُحضَّر حشوة البطاطا من كيلو من البطاطا وحبّتين من البصل وملعقةٍ من دبس الفليفلة والملح والفلفل. وتُحضَّر حشوة الجبنة من كيلو من الجبنة البيضاء وخمس ملاعق من القزحة، مع إمكان إضافة ضمّةٍ من البقدونس وفصّين من الثوم. وتُحضَّر حشوة اللحمة من كيلو من اللحم الناعم مع البصل والطماطم والبقدونس والفليفلة الحلوة والملح والهيل المطحون والفلفل، مع إمكان إضافة فصّين من الثوم. وتُحضَّر حشوة القرع من نصف كيلو من القرع مع البصل والطماطم والملح وملعقةٍ من الشطّة الحلوة وملعقةٍ صغيرةٍ من القرفة والفلفل وزيت الزيتون، مع إمكان إضافة ربع كيلو من اللحمة الناعمة. وتُحضَّر حشوة الزعتر الأخضر من كيلو من ورق الزعتر مع الطماطم والبصل والسمّاق والملح وزيت الزيتون ودبس الرمّان. وتُحضَّر حشوة العكّوب من كيلو من العكّوب مع البصل والملح والفلفل وزيت الزيتون. وتُستخدم في كل ذلك أدواتٌ بيتيةٌ معروفة، من الملاعق والسكاكين، إلى المعجن الدرعاوي أو الطشت الكبير، والصاج، أو الفرن الدرعاوي.
تبدأ تحضير الفطيرة بخلط مكوّنات العجينة الجافة، ثم العجن بإضافة الماء تدريجياً، وترك العجينة في مكانٍ دافئٍ حتى تختمر. تُحضَّر الحشوة في الوقت ذاته بحسب النوع المختار. ففي حشوة الكشك تُفرم الطماطم ناعماً وتُصبّ فوق الكشك الجافّ، ويُترك خمس ساعاتٍ حتى يصبح الكشك طريّاً بفعل عصارة الطماطم في عمليةٍ تُعرف بـفشفشة الكشك، ثم يُفرم البصل ويُقلَّب مع زيت الزيتون على النار حتى يذبل، وتُضاف اللحمة والملح والفلفل. وفي حشوتَي السبانخ والسلق تُغسل الخضروات وتُفرم خشناً، ثم يُضاف إليها قليلٌ من الملح وتُفرك حتى تنزل سوائلها فتُعصر جيداً، ويُقلَّب البصل مع زيت الزيتون حتى يذبل، وتُضاف إليه اللحمة ثم السبانخ أو السلق، فالطماطم المقطّعة، ثم الملح والفلفل والسمّاق، وتُترك بضع دقائق على النار لتتجانس قبل أن يُضاف دبس الرمّان وعصير الليمون. وفي حشوة البطاطا يُقلَّب البصل بزيت الزيتون، وتُضاف البطاطا المبشورة أو المفرومة ناعماً، ثم دبس الفليفلة والملح والفلفل. وفي حشوة الجبنة يُنقع الجبن في الماء اثنتي عشرة ساعةً للتخلّص من ملحه، ثم يُبشر ويُضاف إليه البقدونس والثوم. وفي حشوة اللحمة يُقلَّب البصل بالزيت ثم يُضاف اللحم والطماطم والبقدونس والملح والفلفل والهيل والثوم. وفي حشوة القرع يُقلَّب البصل ثم يُضاف القرع المبشور والملح والقرفة والفلفل والطماطم، ويُترك المزيج على النار حتى ينضج القرع. وفي حشوة الزعتر يُفرم البصل ويُضاف فوقه ورق الزعتر والطماطم والسمّاق والملح ودبس الرمّان وزيت الزيتون. وفي حشوة العكّوب يُغمس النبات في ماءٍ ساخنٍ عشر دقائق للتخلّص من أشواكه، ثم يُقطَّع ويُقلَّب على النار مع البصل وزيت الزيتون والملح والفلفل.
تُقرَّص العجينة بعد اختمارها على شكل كراتٍ متجانسة، توضع في صينيةٍ مرشوشةٍ بالطحين وتُترك ترتاح عشر دقائق. تُؤخذ كرةٌ من العجين وتُمدّ على شكل دائرة، توضع الحشوة في وسطها، ثم تُمدّ كرةٌ أخرى فوقها، فتُغلق الحواف بإحكامٍ بضغط الأصابع، فتتشكّل طبقتان من العجين تحتضنان الحشوة في المنتصف. تُوضع الفطيرة في راحة اليد وتُقلَّب وتُوسَّع كخبز الصاج العادي، ثم تُنقل إلى الكارة وهي وسادةٌ دائريةٌ مخصّصةٌ لمدّ الفطيرة فتصبح دائرةً أكبر وأرقّ، ثم توضع على الصاج المحمّى مسبقاً أو في الفرن الدرعاوي. تُقلَّب الفطيرة على الصاج حتى تأخذ لوناً ذهبياً، ثم تُقدَّم ساخنةً في طبقٍ كبير، ويُدهن وجهها بكميةٍ وفيرةٍ من زيت الزيتون. ويُفضّل بعض البيوت تقديمها مع اللبن وعصير الطماطم الطازج لتكتمل المائدة الدرعاوية.
شهدت الفطاير تحوّلاتٍ معاصرةً محدودةً، أبرزها انتقال العجن من اليدوي إلى الآلي، إذ لجأت كثيرٌ من البيوت إلى استخدام آلة العجن لتوفير الجهد، فيما يبقى جوهر الوصفة وأدوات الخبز الأساسية قريبةً من صورتها التقليدية. ويظل الصاج هو الأداة المعنوية والتقنية الأساسية التي تربط الفطيرة الدرعاوية بهويتها، فلا تتحقّق الرقّة المطلوبة ولا اللون الذهبي المميَّز إلا على سطحه الساخن.
تستمدّ الفطاير الدرعاوية قيمتها التراثية من تشابك أبعادها على المائدة وفي الذاكرة. فهي مخبوزٌ يومي البساطة، احتفاليٌّ المظهر، يستجيب لإيقاع الحياة في درعا بمواسمها وأعيادها وأفراحها وأحزانها. وحضورها في الأمثال الشعبية، إلى جانب اعتمادها على مكوّنات المؤونة المحلية كالكشك والقرع والعكّوب والزعتر البرّي، يجعلها واحدةً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين الأرض وموائدها. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكةٍ من الممارسات النسائية والمصطلحات اللهجية، وذكريات صباحات العيد، وأصوات الفطائر وهي تنضج على الصاج المحمّى في بيوت درعا.
المراجع