توثيق: علي عوير
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ الشاكرية الدرعاوية من أعرق أطباق اللبن المطبوخ في جنوب سوريا، وهي طبقٌ يحضر يومياً على موائد البيوت في محافظتَي درعا والقنيطرة بصورته البسيطة، ويرتقي إلى مرتبة طبق المناسبات في الأفراح والولائم. تُعرف الوصفة محلياً أيضاً باسم مليحية ببطاطا، وهو ما يكشف عن خصوصيتها التي تميّزها عن الشاكرية في صورتها العامة المعروفة في سوريا؛ إذ تُضاف إليها البطاطا مكوّناً رئيسياً يجعلها وجبةً مُشبعةً قائمةً بذاتها لا تحتاج بالضرورة إلى صحن أرزٍ بجانبها. ويُحضَّر الطبق من اللحم أو الدجاج المطهوّ في صلصة لبن زبادي كثيفة، أو من الكثي المعروف أيضاً بـالهقط والجميد، فيلتقي البياض الكريمي بالبطاطا الذهبية في مشهدٍ يلخّص علاقة الجنوب السوري بمنتجات الألبان والحقل في آنٍ واحد.
تمتدّ جذور هذه الوصفة في كتب الطبخ القديمة على شكل تقاليد ضاربة في القدم لطهي اللحم باللبن. فقد ذكرها ابن سيّار الورّاق في كتاب الطبيخ في إطار وصفاتٍ تعتمد على لبنٍ طريٍّ قليل الحموضة يُطبخ مع اللحم، حيث يُضاف ماء الحصرم على ثلاث دفعات، وتُلَفّ الأبازير من كزبرةٍ وكمّونٍ ودار صينيّ وخولنجان مرضوضٍ في خرقة كتّانٍ تُغمر في القدر، حتى ينعقد اللبن ويرتفع دسمه على الوجه قبل أن يُغرف، مع إمكان إضافة دهن الألية أو شحم الدجاج المذاب أو الزبد. كما خصّ ابن العديم في الوصلة إلى الحبيب وصفةً قريبةً عُرفت بـكشكية الخدّام، يُسلق فيها اللحم وتُعمل له مدقَّقة فيها أرز وحمّص مجروش، ويُسلق معه الحمّص الصحاح المنقوع، ويُسلق الأرز المنقّى المغسول في مرقة اللحم حتى ينضج، ثم يُسقى بلبنٍ حامضٍ ويسيرٍ من ماء الليمون، ويُعمل فيه البقدونس المخروط والقرط والليمون المالح المقطّع صغاراً ودهن الألية، ويُترك حتى ينضج ويُغرف. وبهذه الإحالات يتّضح أن الشاكرية الدرعاوية تنتمي إلى عائلةٍ موروثةٍ من أطباق اللحم باللبن، وأنها استقرّت في صورتها الجنوبية على إضافة البطاطا واستثمار الكثي بوصفه مادةً للحموضة وإضفاء طابعٍ ريفيٍّ خاصٍّ بها.
تحفظ الذاكرة العائلية للطبق سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله السيدة سناء عن أمها وجدّتها وعن المجتمع الذي تعيش فيه شفهياً وعملياً بين الأجيال. فالشاكرية الدرعاوية طبقٌ يومي البساطة، يحضر على موائد البيوت في محافظتَي درعا والقنيطرة بمكوّناتٍ متاحةٍ في كل بيت. وفي الوقت ذاته يكتسب الطبق طابعاً احتفالياً في الولائم، وفي أول يومٍ من شهر رمضان أو آخره. ويُربط هذا الحضور الموسمي بطقسٍ شعبيٍّ يستقبل الشهر أو يودّعه باللون الأبيض، تيمّناً بالبركة والفأل الحسن، في تناغمٍ مع عاداتٍ مشابهةٍ نعرفها في المطبخ الدمشقي حيث يُحرص على تصدّر الموائد بـأكلةٍ بيضاء في المناسبات السعيدة. وتتولّى تحضير هذا الطبق نساء العائلة، اللواتي يحفظن عن ظهر قلبٍ معادلة عقد اللبن وعدم تفريطه، ويُتقنّ ضبط القوام الذي يميّز الشاكرية الدرعاوية عن غيرها.
تقوم الوصفة على مكوّناتٍ متوفّرةٍ في معظم البيوت في الجنوب السوري. تُحضَّر من ربع كيلو من لحم العجل أو الخروف، أو من صدري دجاجٍ أو أربعة أفخاذٍ بحسب الرغبة، ومن نصف كيلو من الخاثر الحامض أي اللبن الرائب، أو من قبضةٍ من الكثي الجاف. ويُضاف إلى ذلك أربع حبّاتٍ من البطاطا، وملعقةٌ من السمنة، وملعقةٌ من الملح، وملعقةٌ من الفلفل الأبيض، وورق الغار، وملعقةٌ من الورص أي الكركم المطحون أو الصحيح بحسب الرغبة، إلى جانب لترٍ من الماء، وبصلةٍ كبيرة أو أربع حبّاتٍ من البصل الصغير، وملعقتين من النشا يمكن استبدالهما ببيضةٍ واحدةٍ بحسب الرغبة. وتُستخدم في كل ذلك أدواتٌ بيتيةٌ بسيطة، من القدر والملاعق والسكاكين.
تبدأ تحضير الطبق بتقطيع البطاطا مكعّبات متوسّطة، ثم نقعها في الماء حتى موعد استخدامها. يُفرم البصل ناعماً، أو يُترك بشكلٍ كاملٍ بحسب الرغبة. ويُحضَّر اللبن في طريقتين بحسب المتاح؛ ففي حال استخدام اللبن الرائب يُخفق الخاثر مع ملعقتين من النشا أو مع بيضةٍ على البارد حتى تمتزج المكوّنات تماماً، أما في حال استخدام الكثي فيُنقع بماءٍ ساخنٍ ويُفرك باليد حتى يذوب، أو يُخفق بالخلّاط الكهربائي. تُوضع السمنة في قدرٍ على النار، ويُقلَّب البصل قليلاً، ثم يُضاف اللحم أو الدجاج ويُترك حتى يحمرّ، ويُغمر بالماء مع الملح والفلفل وورق الغار، ويُترك على النار حتى ينضج. تُزال أيّ رغوةٍ قد تتجمّع على الوجه حفاظاً على صفاء المرق، وتُضاف البطاطا لتنضج معه. عند التأكّد من نضج اللحم والبطاطا، يُضاف اللبن أو الكثي تدريجياً مع الاستمرار في التحريك بسرعةٍ حتى يغلي، حفاظاً على عدم فرط اللبن أي انفصاله عن الماء، وهو ما يحدث إذا توقّف التحريك قبل اكتمال الغليان. يُضاف الورص لإضفاء لونٍ أصفر خفيفٍ على الصلصة، وحين تطمئنّ الطاهية إلى غليان المكوّنات بشكلٍ جيّدٍ يمكنها إيقاف التحريك، فيصبح الطبق جاهزاً للتقديم. تُقدَّم الشاكرية الدرعاوية ساخنةً، يرافقها الأرز بالشعيرية أو البرغل بالشعيرية بحسب التقليد المحلي.
ولم تشهد هذه الوصفة تغيّراتٍ تُذكر بحسب رواية الموثّق، فقد حافظت على مكوّناتها وطريقة تحضيرها وأدواتها كما توارثتها الأجيال، وهو ما يجعلها من النماذج النادرة على ثبات الوصفة عبر الزمن في عائلةٍ واسعةٍ من أطباق اللبن المطبوخ التي تعرّضت لتحوّلاتٍ متعدّدةٍ في الأرياف السورية.
تستمدّ الشاكرية الدرعاوية قيمتها التراثية من تشابك أبعادها في طبقٍ واحد. فهي تختزل علاقة الجنوب السوري بالألبان البلدية والكثي الذي يُهيّأ في موسمه ويُحفظ للاستخدام طوال العام، كما تُجسّد قدرة المطبخ المحلي على تحويل الشاكرية المعروفة إلى وصفةٍ خاصةٍ تستفيد من البطاطا المتوفّرة لتجعل الطبق وجبةً مُشبعةً قائمةً بذاتها. وحضور مكوّناتها التقنية في كتب الطبخ منذ العصر العباسي، إلى جانب طقس استقبال رمضان وتوديعه باللون الأبيض الذي تشاركه مع المطبخ الدمشقي، يجعل منها واحدةً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي والمطبخ المعاصر بنكهةٍ جنوبيةٍ خاصةٍ بها. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكةٍ من الممارسات النسائية والمصطلحات اللهجية وذكريات الموسم والمؤونة في بيوت درعا والقنيطرة، حيث يلتقي اللبن المعقود بالبطاطا الذهبية في صحنٍ واحدٍ يعكس روح الجنوب السوري على المائدة.
المراجع