يمثّل أبو الفداء إسماعيل بن علي بن محمود بن أيوب، المعروف بلقبه الملك المؤيد عماد الدين أبو الفداء، نموذجاً لافتاً لشخصية الأمير العالم في التاريخ الإسلامي الوسيط. فهو لم يكن مؤرخاً وجغرافياً فحسب، بل كان أيضاً حاكماً محلياً لحماة في زمن كانت فيه بلاد الشام واقعة ضمن المجال السياسي المملوكي. وتكمن أهمية أبي الفداء في أنه جمع بين السلطة والمعرفة: حكم مدينة، ورعى الحياة العلمية فيها، وترك مؤلفات أصبحت مرجعاً في التاريخ والجغرافيا، ثم وجدت طريقها لاحقاً إلى اهتمام المستشرقين الأوروبيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولد أبو الفداء في دمشق في تشرين الثاني/نوفمبر 1273، لكنه ارتبط بحماة ارتباطاً سياسياً وثقافياً عميقاً، وتوفي فيها في 27 تشرين الأول/أكتوبر 1331.
ينتمي أبو الفداء إلى البيت الأيوبي، فهو من ذرية أيوب والد صلاح الدين الأيوبي. غير أن ولادته جاءت بعد أن كانت السلطة الأيوبية الكبرى قد تراجعت أمام صعود المماليك في مصر وبلاد الشام، ولذلك لم يكن حكمه استمراراً مباشراً للسلطنة الأيوبية الواسعة، بل كان شكلاً من أشكال الحكم المحلي التابع أو المتوافق مع النظام المملوكي. ومن هنا تظهر خصوصية تجربته: أمير أيوبي النسب، مملوكي السياق السياسي، وحموي الانتماء الإداري والثقافي. وقد شارك منذ صغره في الحملات العسكرية ضد مواقع الفرنج، ثم دخل في خدمة السلطة المملوكية، قبل أن يتدرج في موقعه السياسي حتى صار حاكماً لحماة.
بدأ صعود أبي الفداء السياسي عندما عُيّن حاكماً على حماة سنة 1310، ثم أصبح أميراً عليها مدى الحياة سنة 1312، قبل أن يُمنح سنة 1320 لقب الملك المؤيد ورتبة السلطان بعد حجّه مع السلطان المملوكي الناصر محمد بن قلاوون. ظل أبو الفداء يحكم حماة حتى وفاته، وخلفه بعد ذلك ابنه محمد. هذا التسلسل السياسي مهم لأنه يوضح أن مكانته لم تكن علمية فقط، بل كانت متجذرة في إدارة مدينة سورية ذات موقع مهم بين دمشق وحلب والجزيرة والداخل الشامي.
تحت حكمه، تبدو حماة أكثر من مجرد مقر إداري؛ فقد تحولت إلى مجال لرعاية العلماء وتنظيم الحياة الثقافية. تشير مكتبة الكونغرس، في وصفها لعمله التاريخي، إلى أن أبا الفداء كان رجل دولة ومؤرخاً وجغرافياً وراعياً للحياة الفكرية في حماة، كما تذكر أن المدينة ازدهرت في عهده ضمن وضع شبه مستقل عن السلطة المركزية في القاهرة. هذه الصورة تجعل من حماة في زمنه مركزاً محلياً لإنتاج المعرفة، لا مجرد مدينة تابعة في الهامش السياسي للمماليك.
أشهر أعمال أبي الفداء التاريخية هو المختصر في أخبار البشر، وهو تاريخ عالمي يبدأ من أخبار الخلق والأنبياء ويمتد إلى الفترات الإسلامية اللاحقة. وتصف مكتبة الكونغرس هذا العمل بأنه تاريخ للعالم حتى سنة وفاة المؤلف، كما تذكر أن مجلداته اللاحقة تناولت تاريخ الإمبراطوريات الإسلامية والحكام والشخصيات الفكرية البارزة. أما دائرة المعارف البريطانية فتشير إلى أن هذا العمل يغطي التاريخين السابق للإسلام والإسلامي حتى سنة 1329. وهذا الاختلاف البسيط في تحديد النهاية الزمنية يعكس طبيعة النصوص التاريخية الوسيطة، حيث تتداخل نسخة المؤلف مع ذيول لاحقة أو إضافات تكميلية، ومنها ما أُلحق لاحقاً بعمل ابن الوردي.
أما عمله الجغرافي الأبرز فهو تقويم البلدان، الذي أتمه سنة 1321 تقريباً. لا يقوم هذا الكتاب على السرد الجغرافي وحده، بل يعتمد على تنظيم المعلومات في جداول تتضمن أسماء المدن والأقاليم والإحداثيات والملاحظات الجغرافية. وتصف قاعدة “اكتشف الفن الإسلامي” التابعة لمتحف بلا حدود هذا العمل بأنه نص جغرافي وصفي منظم، مدعوم بجداول مبنية على الملاحظة العقلية والعلمية، وقريبة في منهجها من أساليب الدراسات الحديثة. كما تذكر أن مادته اعتمدت على تراث سابق، ولا سيما الترجمات العربية والتعديلات المتصلة ببطليموس، وأعمال علماء مثل البيروني وابن سعيد المغربي.
تظهر أهمية تقويم البلدان أيضاً في استمراره المخطوط وانتشاره اللاحق. ففهرس “Fihrist”، وهو فهرس اتحادي لمخطوطات العالم الإسلامي، يسجل عدداً من مخطوطات هذا العمل في مكتبات أكسفورد وكامبردج، منها نسخ تعود إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر. وهذا يدل على أن الكتاب ظل يُنسخ ويُقرأ بعد وفاة مؤلفه بقرون، وأن قيمته لم تكن محصورة في زمنه المباشر.
ومن الناحية المادية والفنية، تُعد نسخة تقويم البلدان المحفوظة في المتحف الوطني بدمشق شاهداً بالغ الأهمية على حضور أبي الفداء في التراث المخطوط السوري. تعود هذه النسخة إلى سنة 741هـ/1340م، أي بعد وفاة المؤلف بسنوات قليلة، وهي مكتوبة بالحبر على الورق ومزينة بافتتاحية مذهّبة ذات طابع مملوكي. ويُرجّح أن تكون ذات صلة بحماة، وإن كان مكان نسخها غير مؤكد تماماً، إذ قد تكون نُسخت في حماة أو دمشق أو حلب باسم صاحب حماة. هذا البعد المادي يجعل أبا الفداء جزءاً من تاريخ الكتاب المخطوط في سورية، لا من تاريخ النصوص فقط.
لا ينبغي النظر إلى أعمال أبي الفداء بوصفها “اختراعاً” معرفياً منفصلاً عن التراث السابق؛ فقد كانت، كما تشير دائرة المعارف البريطانية، أعمالاً تجميعية اعتمدت على ترتيب مواد المؤلفين السابقين والإضافة إليها. لكن هذه الصفة لا تقلل من قيمتها؛ فالعمل الموسوعي في العصر الوسيط كان يقوم غالباً على الجمع، والاختيار، والمقارنة، وإعادة التنظيم. وفي حالة أبي الفداء، تكمن الأصالة في طريقة تحويل المعرفة التاريخية والجغرافية إلى بنية قابلة للقراءة والاستخدام، وفي ربط السلطة المحلية في حماة بمشروع علمي أوسع.
وقد بقي تقويم البلدان مصدراً مهماً للباحثين المعاصرين أيضاً. فدراسة منشورة سنة 2025 في Journal of Al-Tamaddun درست مادة أبي الفداء عن خوارزم وما وراء النهر، وخلصت إلى أن نصه يقدم معلومات عن المدن والقرى والحدائق والمعادن والتحصينات والجوامع والحياة العلمية في تلك المناطق. وهذا يبيّن أن قيمة عمله لا تقتصر على تاريخ بلاد الشام، بل تمتد إلى فهم الجغرافيا السياسية والثقافية للعالم الإسلامي في العصر الوسيط.
تنبع قيمة أبي الفداء بالنسبة إلى الذاكرة السورية من ثلاثة مستويات متداخلة. أولاً، هو شاهد على استمرار الدور العلمي للمدن السورية في العصر المملوكي، ولا سيما حماة التي تظهر في سيرته بوصفها مدينة حكم ومعرفة. ثانياً، هو مثال على الحاكم المثقف الذي لم يفصل بين الإدارة والرعاية العلمية. وثالثاً، هو حلقة في تاريخ الجغرافيا والتاريخ العالميين، إذ نقل تراثاً سابقاً، ونظمه، وأضاف إليه، ثم أسهمت أعماله في تشكيل معرفة لاحقة لدى علماء الشرق والغرب. لذلك يمكن قراءة أبي الفداء لا بوصفه “عالماً من حماة” فقط، بل بوصفه شخصية سورية-إسلامية جمعت بين المدينة، والكتاب، والسلطة، والذاكرة.
المراجع Abū al-Fidāʼ Ismāʻīl Ibn ʻAlī, and Zayn al-Dīn ʻUmar Ibn al-Muẓaffar Ibn al-Wardī. The Concise History of Humanity. Cairo: Al-Husayniyah Press, 1907. Library of Congress.
Abu-’l-Fida’, Isma‘il Ibn-‘Ali. The Memoirs of a Syrian Prince: Abu’l-Fida’, Sultan of Hamah (672–732/1273–1331). Translated with an introduction by P. M. Holt. Wiesbaden: Franz Steiner, 1983.
Encyclopaedia Britannica. “Abū al-Fidāʾ.” Accessed May 1, 2026.
Fihrist: Union Catalogue of Manuscripts from the Islamicate World. “Taqwīm al-buldān | Abū al-Fidāʼ.” Accessed May 1, 2026.
Moadin, Mona al-. “Manuscript on Geography.” Discover Islamic Art, Museum With No Frontiers, 2026.
Zhuzbayeva, Uldanay, Nurgul Zhanakova, Yedil Noyanov, Bolat Sailan, and Zhumakan Arynov. “‘Taqwim al-Buldan’ by Abu al-Fida as a Source on Medieval Geography of Khwarazm and Transoxiana.” Journal of Al-Tamaddun 20, no. 1 (2025). doi:10.22452/JAT.vol20no1.15.