توثيق: ميار رنه
تحرير: غزل خالد سلطان
مراجعة: د. هلا قصقص
يُعدّ الششبرك من أعرق أطباق المطبخ السوري وأكثرها التصاقاً بطقس البيوت في فصل الشتاء. هو طبقٌ دسمٌ وعريقٌ يجمع بين فنّ عجن الرقائق الصغيرة ومهارة طهي اللبن، ويُعرف في المطبخَين الدمشقي والحلبي بأسماء شعبية محبّبة، أبرزها أذان الشايب، تعبيراً عن شكل قطع العجين المحشوّة التي تشبه أذناً مطويّة. ويرتبط هذا الطبق في الذاكرة الجمعية بدفء العائلة في الأيام الباردة، حيث تتكاتف الأيدي حول الصينية لتشكيل مئات القطع الصغيرة في طقسٍ اجتماعيٍّ مشترك.
تمتدّ جذور الششبرك إلى عمق التاريخ، وقد دوّنته أمّهات المخطوطات في حلب ودمشق. فقد وثّقه ابن العديم في الوصلة إلى الحبيب في القرن الثالث عشر بمدينة حلب، واصفاً إياه بأنه لحمٌ مخروطٌ يُحشى في عجينٍ ممدودٍ ويُطبخ ثم يُضاف إليه اللبن والثوم والنعناع. وذكرَ ابن المبرد الدمشقي الوصفة ذاتها في كتاب الطباخة في القرن الخامس عشر، بما يؤكّد استمرارية الطبق وتأصّله في الهوية الدمشقية على مدى قرون. كما خصّه سمير ومروان الطحان في كتاب الغسطرنوم بحديثٍ تفصيليّ عن أصل التسمية واختلاف القراءات حولها بين الفارسية والتركية والكردية، ووصفاه بأنه فخر المطبخ السوري، مشيرَين إلى تقديمه إلى جانب الأرز أو البرغل. وبهذا يقف الششبرك شاهداً على خطٍّ متّصلٍ من الكتب الوسيطة إلى موائد اليوم.
تحفظ الذاكرة الشفوية للطبق سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله الموثّقة ميار رنه عن الأم والجدّة. فالششبرك ليس مجرّد طبقٍ يومي، بل هو طبق المناسبات العائلية الكبرى وبداية شهر رمضان وأيام البرد القارس، يحضر حين يحتاج الجسم إلى وجبةٍ تمدّه بالطاقة، وحين تحتاج العائلة إلى مناسبةٍ تجتمع حولها. وعملية طيّ العجين تتطلّب وقتاً وجهداً تشترك فيه نساء العائلة، فتتحوّل إلى لقاءٍ جماعيٍّ تتبادل فيه الأحاديث والأخبار والحكايات. ومن هذه الروح خرج المثل الشعبي شغلة عليّ شيش وعليك برك، إشارةً إلى مشقّة التحضير وسهولة الأكل، فيما ارتبط الطبق في الذاكرة بقدوم الضيوف وبشارة الخير، حتى قيل فيه إن غربت شيشبرك وإن شرقت كبة، دلالةً على أن كل الأقدار طيّبةٌ ما دامت تُقدِّم على المائدة طبقاً سورياً عريقاً.
تقوم الششبرك على موازنةٍ دقيقةٍ بين العجين واللبن. تُحضَّر العجينة من كأسٍ ونصف من الدقيق، ورشّةٍ من الملح، وثلاثة أرباع كأسٍ من الحليب السائل لمنحها الدسامة، ونصف كأسٍ من الماء الفاتر. أما الحشوة فتتكوّن من نصف كيلو من اللحم المفروم ناعماً، وبصلةٍ مفرومة، وقطعةٍ من الزبدة، والملح، والبهارات المشكّلة، وحفنةٍ من البقدونس المفروم في الختام. ويُحضَّر خليط اللبن من لترٍ من اللبن الخاثر، وأربع ملاعق صغيرة من النشا، وبيضةٍ تُضاف لتثبيت القوام، إلى جانب الثوم المهروس والكزبرة الخضراء أو النعناع المجفّف وقطعةٍ من الزبدة للقدحة. وتتجلّى في هذه المكوّنات فلسفة المطبخ السوري الشتوي القائم على وجبةٍ متكاملةٍ تجمع البروتين والنشويات وغنى اللبن في صحنٍ واحد.
تمرّ تحضير الششبرك بمسارٍ تقنيّ يتطلّب دقّةً في التنفيذ. تبدأ المرحلة الأولى بنخل الدقيق وعجنه بالحليب والماء حتى يصبح ناعماً، ثم تُترك العجينة لترتاح ساعةً كاملة. تُحضَّر الحشوة في هذه الأثناء بتقلية اللحم مع البصل والزبدة والمطيّبات، وتُضاف رشّة البقدونس في الختام لمنحها رائحتها المميّزة. تُفرد العجينة بعد الراحة وتُقطَّع دوائر صغيرة، تُحشى وتُطوى على شكل قبّعة أو طاقية، فتأخذ شكلها الذي اشتُقّ منه اسم أذان الشايب. تُرصّ القطع وتُخبز في الفرن حتى تأخذ لوناً ذهبياً، أو تُسقط مباشرةً في اللبن بحسب الرغبة. يُخفق اللبن مع النشا والبيضة ويُصفّى، ثم يُرفع على النار مع التحريك المستمرّ حتى يغلي ويتماسك. تُضاف قطع الششبرك المخبوزة إلى اللبن المغليّ نحو عشر دقائق، ثم تُحمّر القدحة من الثوم والكزبرة بالزبدة وتُسكب فوق القدر قبل التقديم مباشرة، فينطلق منها العبق الذي يُعرّف الجالسين على المائدة بالطبق قبل أن يروه.
شهدت الششبرك تحوّلاتٍ معاصرةً واضحة، إذ صار بعض البيوت تستخدم القوالب الجاهزة لتشكيل العجين بدلاً من اليد، حفاظاً على الوقت وتوحيداً للحجم. كما أصبح إدخال النشا والبيض إلى خليط اللبن ممارسةً شائعةً لضمان قوامٍ حريريّ متماسك. وعلى المستوى الإقليمي، يبرز التخصّص السوري في معادلة اللبن والثوم والنعناع، فيما تتقاطع الوصفة مع نظيراتها في فلسطين والأردن، وتختلف بوضوحٍ عن صيغتها في المطبخ التركي المانتي الذي قد يُقدَّم بصلصة الطماطم. وفي بعض المناطق السورية يُعرف الطبق باسم طاطا برك عند الاكتفاء بخبز العجين وتزيينه بقدحة الكزبرة، فتُفتح الوصفة على تنويعاتٍ محليةٍ من دون أن تفقد جوهرها.
تستمدّ الششبرك قيمتها التراثية من تشابك أبعادها في آنٍ واحد. فهي طبقٌ يجمع بين تقنيةٍ عاليةٍ في الطهي وعملٍ جماعيٍّ يدويّ، وبين رمزيةٍ اجتماعيةٍ تجعل تحضيره مناسبةً عائليةً قائمةً بذاتها. وحضوره الموثَّق في كتب الطبخ منذ القرون الوسطى، إلى جانب استمراره في موائد اليوم بأسمائه المتعدّدة في حلب ودمشق وسائر المدن السورية، يجعل منه واحداً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي والمطبخ المعاصر. ولذلك فإن توثيقه ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكةٍ من المهارات اليدوية والمصطلحات الشعبية والذكريات النسائية التي تشكّلت حول صينية العجين الصغيرة وقدر اللبن المُغطّى بالقدحة الخضراء.
المراجع