الفلافل

أقراصُ الحمّص الذهبية وذا كرةُ الطعام الشعبي السوري

توثيق: ميار رنة

تحرير: لين مهنا

مراجعة: د. هلا قصقص

05/05/2026

تُعدّ الفلافل واحدةً من أكثر الأطباق التصاقاً بثقافة الطعام الشعبي اليومي في سوريا، وأحد أبرز نماذج الوجبة السريعة المتوارثة التي تجمع بين البساطة والقيمة الغذائية العالية. هي أقراصٌ مقرمشةٌ تُصنع من عجينة الحمّص المنقوع المطحون مع الأعشاب والتوابل، تُقلى في الزيت العميق حتى تأخذ لونها الذهبي، ثم تُقدَّم غالباً ضمن ساندويشٍ في الخبز السوري إلى جانب الخضروات الطازجة والمخلّل والطحينة. وقد ترسّخ حضورها بوصفها وجبةً نباتيةً بالكامل، اقتصاديةً ومشبعةً، تُلبّي حاجة الناس اليومية وتُعدّ في الوقت نفسه رمزاً للطعام الشعبي المتاح في كل حيٍّ وكل شارع.

تمتدّ جذور الفلافل في كتب الطبخ القديمة إلى ما هو أبعد من صورتها المعاصرة. فقد وصفها ابن سيّار الورّاق في كتاب الطبيخ تحت اسمٍ لافت هو عجة من غير بيض، مشيراً إلى طريقة تحضيرها بسلق الحمّص حتى يلين، ثم دقّ البصل المسلوق معه وإضافة الزيت والمُريّ والكزبرة والفلفل وماء الصمغ، قبل أن تُصاغ المكوّنات وتُقلى بالزيت حتى تنضج. كما خصّها سمير ومروان الطحان في كتاب الغسطرنوم دليل المطبخ الحلبي بوصفٍ تفصيليٍّ يُشبه إلى حدٍّ بعيد الصورة المعروفة اليوم؛ إذ تُهرَس فيها كميةٌ من الحمّص أو الفول المنقوع أو خليطٌ منهما مع البصل والثوم، وتُعجن بالفلفل والبهار والكمّون والكزبرة، ثم تُسكب أقراصاً في قالبٍ وتُغمَس بالسمسم وتُقلى بالزيت، قبل أن تُحشى في رغيف خبزٍ مع البندورة والخيار والخسّ والملفوف والهندبة والمخلّل والبقدونس والنعناع، ويُغرَق وجهها بطراطور الطحينة المخلوط بماء الليمون والسمّاق والرمّان والحصرم. وبهذا تتقاطع الوصفة المُدوَّنة قديماً مع الوصفة المتداولة في البيوت ومطاعم الشارع، ليبدو الطبق نفسه شاهداً على استمراريةٍ نادرةٍ في تقاليد الطهي.

تتعدّد الروايات حول أصل التسمية، وتروي الحكاية المتداولة أن كلمة فلافل تعود إلى الأصل الآرامي پلاپيل بمعنى الكرات الصغيرة، وهي رواية يدعمها مؤنس البخاري في تأصيله للكلمة، في مقابل ادعاءاتٍ أخرى تنسبها إلى أصلٍ قبطي. وأياً كان مصدر التسمية، فإن الطبق نفسه عرف تطوّراً تدريجياً من عجينةٍ بسيطةٍ في كتب الطبخ الوسيطة، إلى وجبةٍ شعبيةٍ حديثةٍ صار حضورها جزءاً لا يتجزّأ من المشهد اليومي في الأحياء والأسواق.

تنتمي الفلافل اليوم إلى منطقةٍ مزدوجةٍ من ثقافة الطعام؛ فهي تُحضَّر في البيوت على يد النساء بوصفها وجبةً عائليةً اقتصاديةً، وتُحضَّر كذلك في مطاعم الشارع وعربات الباعة المتجوّلين على يد الرجال، فتُباع جاهزةً في الأسواق والشوارع طوال اليوم. ولا ترتبط الفلافل بطقوسٍ دينيةٍ محدّدة، إلا أنها تكتسب حضوراً أوسع في فترات الصيام بوصفها وجبةً نباتيةً مشبعة، كما تُشكّل خياراً يومياً ثابتاً للنباتيين ولمن يبحثون عن وجبةٍ غنيةٍ بكلفةٍ معقولة. ومن هنا اكتسبت مكانتها الراسخة في الطعام السوري الشعبي بوصفها طبقاً ديمقراطياً يصل إلى الجميع.

تقوم الفلافل على مكوّناتٍ متوفّرةٍ في كل بيت. تُحضَّر العجينة من كيلو من الحمّص المنقوع يوماً كاملاً، أو من نحو أربعة أكواب من الحمّص المسلوق في بعض الوصفات، وتُضاف إليه حزمةٌ من البقدونس الطازج وأخرى من الكزبرة، إلى جانب أربعة إلى خمسة فصوصٍ من الثوم المهروس، وملعقةٍ كبيرةٍ من الكمّون المطحون، والكزبرة المطحونة، والملح، وبيكربونات الصوديوم أو خليطٍ من البيكنج باودر والبيكنج صودا، إضافةً إلى بصلةٍ أو نصف بصلة، والفلفل الأسود، والسمسم للتزيين بحسب الرغبة. ويُستخدم زيت دوّار الشمس للقلي العميق. أما الأدوات فتشمل مطحنة اللحم أو الخلّاط الكهربائي لطحن المكوّنات، وقالب تشكيل الفلافل المعدني، إلى جانب مقلاةٍ عميقةٍ أو قدرٍ للقلي، وملعقةٍ مثقوبةٍ للتصفية.

تبدأ تحضير هذا الطبق بنقع الحمّص في الماء يوماً كاملاً، أو بسلقه حتى يلين في بعض الوصفات. يُطحن الحمّص بعدها مع البقدونس والكزبرة في الخلّاط أو المطحنة حتى يتحوّل إلى عجينةٍ ناعمة، ثم يُضاف إليه الثوم المهروس والبصل والكمّون والكزبرة المطحونة والملح وبيكربونات الصوديوم، وتُعجن المكوّنات جيداً حتى تتماسك، مع إضافة قليلٍ من الماء عند اللزوم. يُسخَّن الزيت في مقلاةٍ عميقةٍ على نارٍ متوسّطة، وتُشكَّل العجينة أقراصاً متساويةً بقالب الفلافل أو باليد، ثم تُقلى نحو دقيقتين إلى ثلاث على كل جانبٍ حتى تأخذ لوناً ذهبياً مائلاً إلى البنّيّ. تُصفّى الأقراص من الزيت وتُقدَّم ساخنةً في ساندويش خبزٍ مع الطحينة والبندورة والخيار والمخلّل والبقدونس والنعناع والتوابل، فيكتمل المظهر المألوف في كل مطعمٍ شعبيٍّ سوري.

تستمدّ الفلافل قيمتها التراثية من عدة جوانب تتشابك في طبقٍ واحد. فهي تختزل قدرة المطبخ السوري على تحويل مكوّنٍ بسيطٍ كالحمّص إلى وجبةٍ متكاملةٍ غذائياً وثقافياً، وتُجسّد فلسفة الطعام الشعبي القائمة على الاقتصاد والإشباع. كما تربط بين تاريخٍ مدوَّنٍ في كتب الطبخ الوسيطة وبين ممارسةٍ يوميةٍ مستمرّةٍ في الشارع والبيت، فتجعل من نفسها جسراً نادراً بين التراث المكتوب والذاكرة الحيّة. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفةٍ، بل حفظٌ لشبكةٍ من الممارسات والأماكن واللحظات اليومية التي تشكّلت حول قرص الفلافل الذهبيّ ورائحة قليه التي تملأ الأزقة.

المراجع

  • ابن سيّار الورّاق. كتاب الطبيخ. ص 195.
  • الطحان، سمير، ومروان الطحان. كتاب الغسطرنوم دليل المطبخ الحلبي. ص 496.
  • البخاري، مؤنس. “في تأصيل كلمة فلافل”. مدونة مؤنس البخاري. https://albukhari.com/7155/.
  • “طريقة الفلافل السورية”. موقع موضوع. https://mawdoo3.com/طريقة_الفلافل_السورية.
  • القصّاب الشامي. “ليش الفلافل الشامية أطيب فلافل بالعالم؟ ما هو المكوّن السرّي”. يوتيوب. https://youtu.be/eumzCTlWjXo.
  • أبو عدنان. “طريقة تحضير الفلافل السورية على طريقة المطاعم”. يوتيوب. https://youtu.be/cEONMpASeMI.