الرشتاية بعدس

خيوط العجين التي نسجت ذا كرة المطبخ الحلبي

توثيق: هتون مقرش
تحرير: غزل خالد سلطان
مراجعة: د. هلا قصقص

05/05/2026

تُعدّ الرشتاية بعدس من أكثر الأطباق التصاقاً بذاكرة المطبخ الحلبي، وأحد النماذج الواضحة على الوجبة الشتوية المتكاملة التي تجمع بين بساطة المكوّنات وغنى القيمة الغذائية. ويعود اسمها إلى الكلمة الفارسية رشته، أي الخيط الدقيق، في وصفٍ بصريٍّ لشرائط العجين الرفيعة التي تسبح في مرق العدس، فتمنح الطبق دفئه وطابعه الذي اقترن بليالي الشتاء في البيوت الحلبية.
ينتمي هذا الطبق إلى المطبخ اليومي الشعبي في حلب، ويُعرف في دمشق باسم ست زبقي. وقد أكّد فخري البارودي في معجم المآكل الدمشقية أن ست زبقي الدمشقية ليست سوى الاسم الآخر للرشتاية بعدس الحلبية، وهو ما يكشف عن انتقال الطبق وتوطّنه بين المدينتين بأسماء مختلفة، مع احتفاظه بجوهره ذاته.

تقوم الرشتاية على مكوّنات بسيطة كانت متوفّرة في معظم البيوت: عجينة من الطحين والملح وقليل من الزيت والماء الدافئ، وعدس أسمر يُسلق ببطء، وبصلة كبيرة، ورأس ثوم كامل، وضمّة من الكزبرة الخضراء أو الناشفة، وزيت زيتون يُمزج بقليل من الزيت النباتي. ويُضيف بعض الطاهيات ضمّة من السلق أو السبانخ لرفع القيمة الغذائية للطبق، خاصة في موسم البرد. وفي هذا المزيج تتجلّى فلسفة المطبخ الشتوي القائم على ما هو متوفّر في المؤونة، مع قدرة عالية على إشباع الجسم وتدفئته.

تحفظ الذاكرة الشفوية للطبق سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله السيدة هيام خميس (73 عاماً) عن أمها وجدّتها. فالرشتاية كانت طبقاً يومياً اقتصادياً، يحضر على موائد البيوت في أيام الشتاء، ويُعدّ كذلك من الأطعمة التي ترافق العمل المُجهد، إذ يجمع بين بروتين العدس ونشويات العجين بما يكفي لإطعام الرجال العائدين من أعمالهم الشاقة. وكانت النساء قديماً يجتمعن في جمعات الجيران لإعداد العجين وتقطيعه يدوياً إلى شرائط رفيعة، فتتحوّل عملية التحضير إلى مناسبة اجتماعية قائمة بذاتها، تختلط فيها المؤونة بالحديث والأهازيج. ومن تلك المناغاة التي ترافق الأمهات وهنّ يداعبن أطفالهنّ قول شائع: تس تك تستايه.. بعرسك لاطبخ رشتايه.

وتروي الحكاية المتداولة أن الطبق لُقّب شعبياً بـقصاقيص الخياطة، نسبةً إلى شكل شرائط العجين التي تشبه فضلات القماش المتساقطة بعد القصّ، وهو ما يشير إليه خير الدين الأسدي في موسوعة حلب المقارنة، حين يفصّل في أنواع الرشتاية ويذكر اللقب الشعبي إلى جانب اسم ست زبقي. وتمتدّ جذور هذا الطبق إلى ما هو أبعد من الذاكرة الحديثة؛ فقد وصفه ابن العديم في الوصلة إلى الحبيب بأنه يُقطع من رقاق العجين الفطير، وذكر أنه كان يُطهى قديماً مع اللحم والحمص والكباب المحشوّ بالبيض المسلوق حتى يتفلفل بالدهن. كما وثّقه ابن المبرد الدمشقي في كتاب الطباخة في العصر المملوكي، مشيراً إلى سلق اللحم مع شرائح العجين وإضافة البصل أو الحمص والكزبرة الخضراء على وجهه. وبهذا يقف الطبق شاهداً على تحوّل تدريجي في تركيبته، من وجبة لحمية أكثر ثراءً في المخطوطات القديمة، إلى وجبة نباتية اقتصادية تكاد تخلو من اللحم في صورتها المعاصرة.

أما طريقة التحضير، فتبدأ بعجن الطحين والملح بالماء الدافئ تدريجياً مع الزيت حتى تتماسك العجينة، ثم تُفرد بالشوبك وتُقطّع شرائط طولية رقيقة تُغلَّف بالطحين كي لا تلتصق. يُنقّى العدس ويُسلق بالماء حتى يصل إلى ثلاثة أرباع نضجه، ثم تُطفأ النار وتُغطّى القدر نصف ساعة ليكتمل النضج بهدوء. يُشوَّح البصل بالزيت ويُضاف إليه العدس مع ماء سلقه، ثم تُوزَّع شرائح العجين فوق العدس مع رشّة من زيت الزيتون لمنع الالتصاق، ويُترك المزيج على النار حتى ينضج العجين. وفي الخطوة الأخيرة تُقلى الكزبرة مع الثوم وتُسكب على وجه الطبق، ويُزيَّن بالبصل المقلي وقطع الخبز المحمّص أو مربّعات العجين المقلية، فيكتمل المظهر الذي عرفته البيوت الحلبية لأجيال متعاقبة.

وقد طرأت على الطبق تغيّرات معاصرة فرضتها إيقاعات الحياة الجديدة. فبعد أن كان يُطهى مع اللحم في صورته القديمة كما تشير المخطوطات، صار اليوم طبقاً اقتصادياً نباتياً في معظم البيوت. كما لجأت بعض الطاهيات إلى استبدال العجين المنزلي بالمعكرونة الجاهزة (السباغيتي) توفيراً للجهد، وإن ظلّ الطعم مختلفاً عن النسخة الأصلية المصنوعة باليد. وفي المقابل، تحتفظ الرشتاية بحضور إقليمي واسع؛ إذ تُحضَّر بطرق مشابهة في الساحل السوري، فيما تظهر في المغرب الكبير باسم الرشتا بصيغة مختلفة كلياً تُقدَّم مع اللحم والحمص والخضار والبيض المسلوق، وتُنسب إلى المطبخ الأندلسي.

تكتسب الرشتاية بعدس قيمتها التراثية من كونها تختزل أكثر من جانب في آنٍ واحد: فهي طبق المؤونة المحدودة، وطبق التعاون النسائي، وطبق الذاكرة التي تنتقل من الجدّات إلى الأمهات إلى البنات. وحضورها في المخطوطات الوسيطة، وفي معاجم المآكل الدمشقية، وفي موسوعات حلب، يجعلها واحدة من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي والمطبخ اليومي المعاصر. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكة من العلاقات الاجتماعية واللغوية والاقتصادية التي تشكّلت حولها عبر القرون.

المراجع

  • ابن العديم، كمال الدين. الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيّبات والطيب. ص 74.
  • ابن المبرد الدمشقي. كتاب الطباخة. ص 115.
  • الأسدي، خير الدين. موسوعة حلب المقارنة. ص 164.
  • البارودي، فخري. معجم المآكل الدمشقية. ص 90.
  • الطحان، سمير، ومروان الطحان. كتاب الغسطرنوم.
  • الحناوي، دلال. “الرشتاية بعدس”. قناة الشيف دلال الحناوي على يوتيوب. https://www.youtube.com/watch?v=Ww_BSezCyO8.