توثيق: علي عوير
تحرير: لين مهنا
مراجعة: د. هلا قصقص
يُعدّ المليحي من الأطباق التراثية البارزة في محافظة درعا، وتنتشر صيغ منه في السويداء والقنيطرة، وفي بعض قرى ريف دمشق. يقوم الطبق على البرغل واللحم ولبن الجميد أو اللبن الخاثر، ويُقدَّم في منسف جماعي تتجاور فيه حبوب القمح مع قطع اللحم وصلصة اللبن والسمن البلدي. وتُظهر المادة الميدانية أن مكانته تتجاوز وظيفته الغذائية؛ فهو يرتبط بموسم الحصاد وبالولائم وبمعاني الوفرة والضيافة التي تحتل موقعًا مركزيًا في الذاكرة الحورانية.
التعريف والتسمية والتصنيف
المليحي طبق رئيس من أطباق القمح واللبن واللحم في المطبخ السوري. تُطبخ فيه حبوب البرغل، وأحيانًا مع مقدار من الأرز، بمرق اللحم ثم تُدعك بالسمن ولبن الكِثي، وهو الاسم المحلي للجميد، أو باللبن الرائب. ويُرتّب عند التقديم في منسف كبير تعلوه قطع اللحم، وقد يُزيّن بالكبة الدرعاوية المهبّلة أو المقلية، وبصلصة المقطوطة. وهو طبق كثيف ومشبع، ويُدرج ضمن أطعمة الولائم والأطباق الجماعية.
تورد المادة الميدانية تفسيرين شعبيين متداولين للتسمية: أولهما ربطها بـالممالحة، أي مشاركة الخبز والملح، في إحالة إلى إكرام الضيف ومبادلته الود؛ وثانيهما ربطها بملوحة الكِثي، إذ يُملّح اللبن المجفف بكثافة ليُحفظ مدة طويلة. ولا تُقدَّم هاتان الروايتان بوصفهما اشتقاقًا لغويًا محسومًا، بل بوصفهما جزءًا من الذاكرة الشفوية التي تفسّر علاقة الطبق بالكرم والحفظ والزاد.
المجال المكاني والسياق
يرتبط المليحي أساساً بدرعا وريفها، وهي بيئة عُرفت بزراعة القمح القاسي وبالاستفادة من منتجات الألبان في الطعام والحفظ. وتدل الروايات المحلية ووصفات المطبخ المنشورة على حضور الطبق في درعا وريفها، مع إمكان تحضيره بلحم الغنم أو بالدجاج، ومع صيغ تعتمد الكِثي أو اللبن الرائب. ويظهر في هذا التركيب اقتران الحبوب التي تنتجها الأرض باللبن واللحم بوصفها موادّ ضيافة، لا بوصفها مكوّنات منفصلة فقط.
سياقات التحضير والتقديم
يُطبخ المليحي في الولائم والأفراح والعزائم العائلية، كما يرتبط في الذاكرة المحلية بنهاية موسم الحصاد وجرش القمح. وفي التحضير الجماعي تتوزع الأدوار بين الطهي والتجهيز والتقديم: تتولى النساء غالبًا إعداد اللحم واللبن والحشوة، بينما كان الرجال، وفق المادة الميدانية، ينهضون بدور رئيس في التدعيك، وهي مرحلة تقليب البرغل الساخن ودعكه حتى يتماسك قوامه. ويُقدَّم الطبق ساخنًا في منسف واسع، ثم يجتمع الضيوف حوله في صيغة تبرز البعد الجماعي للوجبة.
وتستدعيه الأمثال الشعبية بوصفه معيارًا للضيافة، ومنها: «عزيمة بلا مليحي، مو عزيمة» و«المليحي سيد العزايم». كما يرد في المثل «بوكل مليحي ويحكي قبيحي» ذمًّا لمن يقابل الكرم بالإساءة؛ وهو تعبير يبيّن مكانة الطبق في درعا.
المكوّنات
لتحضير المليحي لكمية تكفي نحو خمسة أشخاص، تذكر المادة الميدانية: كيلوغرامين من اللحم مع العظم أو الدجاج بحسب الرغبة، وبصلة كبيرة، وملعقتين من الملح، وثلاثة أعواد قرفة، وكمشة من القرنفل، وملعقتين من الفلفل الأسود، وقبضة من ورق الغار، وحبتين من اللومي، وملعقتين من الكمون، وملعقتين من البهارات المشكلة، وملعقتين من الهيل، وكيلوغرام من البرغل، وكأس من الأرز، وملعقتين من السمن السوري.
ولصيغة الكِثي يُستخدم نصف كيلوغرام من الكِثي الدرعاوي (الجميد/الهِقِط). أما صيغة اللبن الرائب فتتطلب كيلوغرامين من اللبن الرائب، مع ملعقة من الوَرْص (العصفر) لإكساب اللبن لونًا أصفر، ويمكن تدعيمه ببيضة واحدة أو ثلاث ملاعق نشا لتثبيت قوامه أثناء الغليان.
وللكبة الدرعاوية، وهي كمية تزيين تكفي قرابة عشرين شخصًا، يُستخدم ثلاثة كؤوس من البرغل الناعم (الرفيعة)، ونصف كيلوغرام من اللحم المفروم ناعمًا، وثلاث بصلات، وملعقتان من الملح، وملعقتان من الكمون، وملعقتان من الفلفل الأسود، وملعقة من الغَسْلة (المردكوش)، وكوب طحين، وملعقة زيت زيتون، ولتر ماء، مع إمكان إضافة الجوز أو الصنوبر. ولصلصة المقطوطة: ثلاث بصلات، ونصف كيلوغرام من لحم رأس العصفور، وكيلوغرام من الطماطم، وملح وفلفل أسود.
طريقة التحضير
سلق اللحم بالكِثي أو المخيض: تُنقع حبات الكِثي في ماء ساخن منذ الليلة السابقة. وفي الصباح تُفرك أو تُخفق حتى تتكون صلصة ناعمة متجانسة، ثم توضع في قدر عميق مع اللحم وبصلة كبيرة مقطعة والملح والفلفل الأسود والهيل. يُترك المزيج حتى ينضج اللحم ويتشرّب نكهة الكِثي.
السلق بالمرق: تُغمر قطع اللحم بالماء في قدر عميق، وتُزال الرغوة أولًا بأول. ثم تضاف البصلة وورق الغار والقرفة والقرنفل واللومي والملح والفلفل الأسود والكمون والبهارات المشكلة والهيل. يُغطّى القدر ويُترك على نار هادئة حتى يطرى اللحم، مع الاحتفاظ بالمرق لاستعماله في طهي البرغل.
صيغة اللبن الرائب: يوضع اللبن في قدر مع الملح والفلفل، ويضاف إليه البيض أو النشا، ثم يحرّك باستمرار على النار حتى يغلي فلا ينفصل قوامه. يُضاف الوَرْص بعد الغليان لإعطاء اللون الأصفر، ويمكن إضافة حبات قليلة من الكِثي لمن يرغب بطعم أكثر حموضة. وفي هذه الصيغة قد يُسلق اللحم منفصلًا ثم يُنقل إلى اللبن مع شيء من مرقه.
طبخ البرغل وتدعيكه: يُنقع البرغل ويُغسل، ثم يوضع في قدر ويُغمر بمرق اللحم، وفق معيار أربعة مقادير من المرق لكل مقدار من البرغل. يضاف الملح والكمون والبهارات المشكلة والهيل، ثم يترك بعد الغليان على نار هادئة قرابة ساعة حتى تتفتح الحبات. بعد النضج يُدعك البرغل وهو ساخن مع السمن، ويضاف اللبن أو الكِثي تدريجيًا حتى يكتسب قوامًا متماسكًا مائلًا إلى الكريمية.
الكبة الدرعاوية المهبّلة: تُنقع الرفيعة في الماء الساخن قرابة ساعة، ثم تعجن مع الغسلة والملح والكمون، ويضاف الطحين تدريجيًا حتى تتماسك العجينة. تحضّر الحشوة بتشويح البصل المفروم مع اللحم، ثم تتبل بالملح والفلفل والكمون. تُشكَّل أقراص الكبة بأيدٍ مرطبة بالماء وزيت الزيتون. وفي الصيغة المهبّلة توضع في ماء يغلي مع الكمون والملح والفلفل وزيت الزيتون نحو ربع ساعة؛ و«الهبال» في الاستعمال المحلي هو البخار. ويمكن بدلًا من ذلك قليها في زيت غزير حتى تحمرّ.
صلصة المقطوطة والتقديم: يُشوّح البصل ثم يضاف لحم رأس العصفور، وبعد نضجه تضاف الطماطم المفرومة والملح والفلفل وتترك الصلصة على نار هادئة حتى تتماسك. عند التقديم يُسوّى البرغل في وسط المنسف، ثم يضاف اللبن وقطع اللحم والكبة، ويُسكب السمن البلدي الساخن على الوجه. تقدّم المقطوطة فوق الطبق أو في وعاء جانبي.
الأدوات والمصطلحات المحلية
تتطلب الوصفة قدرًا عميقًا لسلق اللحم، وقدرًا واسعًا لطهي البرغل، وأداة للدعك أو ملعقة كبيرة مثقبة، ومصفاة أو خلاطًا لتحضير الكِثي، ومقلاة للحشوة والصلصة، ومنسفًا واسعًا للتقديم. ومن مصطلحاتها المحلية: الكِثي للجميد الدرعاوي؛ والشنينة للمخيض أو اللبن السائل؛ والتدعيك لعجن البرغل المطهو وتقليبه بقوة؛ والهبال للبخار؛ والكبكبة لتقريص حبات الكبة وتشكيلها؛ والمقطوطة لصلصة اللحم والطماطم. وتذكر المادة الميدانية «اللَّكَن» بوصفه الوعاء النحاسي الكبير الذي كان يُستعمل في الولائم الكبيرة.
التحولات والاختلافات الإقليمية
شهدت طريقة المليحي تحولات واضحة مع تغير نمط الحياة وتوافر وسائل التبريد. ففي الصيغة التراثية كان الكِثي وسيلة أساسية لحفظ فائض اللبن بالتمليح والتجفيف، ولذلك كان هو قاعدة الطبق. أما اليوم فيُعتمد اللبن الطازج الرائب أو الشنينة على نطاق أوسع لسهولة التوفر وسرعة التحضير، مع احتفاظ بعض الأسر بإضافة كمية قليلة من الكِثي لنكهته الحامضة المركزة.
كما انتقل الطبخ من الولائم الضخمة إلى كميات عائلية أصغر، وتغيّرت عملية التدعيك من عمل رجالي مرتبط بالقوة البدنية إلى خطوة قد تؤدى بأدوات المطبخ أو بتوزيع أوسع للأدوار. وتذكر المادة الميدانية أن بعض البيوت صارت تسلق اللحم بالماء ثم تضيف مرقه إلى اللبن، وأن الدجاج دخل بديلًا متاحًا للحم. وفي التقديم قد يُستغنى عن الكبة أو المقطوطة اختصارًا للوقت، أو لتخفيف دسم الطبق، وتستعمل مناسف أصغر بدل الأواني النحاسية الكبيرة.
وفي الأعراس القديمة كان تحضير المليحي والكبة مناسبة عمل جماعي يشارك فيها أهل القرية، وتتوزع فيها أعمال فرم البصل وعجن الكبة والطبخ والتقديم. أما في مناسبات معاصرة كثيرة فقد تراجعت هذه الصيغة لصالح أطباق أرز أو ولائم أسهل في التقديم، من غير أن يلغي ذلك حضور المليحي في المناسبات التي تُراد لها دلالة تراثية واضحة.
الروايات التاريخية وحدود المقارنة
تتداول الذاكرة الشعبية في درعا تسمية المضيرة وربطها بزيارة الخليفة معاوية بن أبي سفيان للجابية. وتثبت النصوص الأدبية القديمة وجود عبارة «مضيرة معاوية» في سياق الحديث عن طعام يُؤكل مع معاوية، لكنها لا تعرّف هذا الطعام بوصفه المليحي، ولا تثبت أن طبق المليحي قُدِّم في الجابية. لذلك تُسجل هذه الحكاية في المقال بوصفها رواية محلية دالّة على استدعاء الماضي، لا بوصفها واقعة تاريخية مثبتة للطبق بعينه.
وبالمثل، تُقارن في بعض السرديات الشعبية بين المليحي وألواح الطبخ البابلية المحفوظة في جامعة ييل، ولا سيما اللوح YBC 4644. وهذه الألواح من أقدم نصوص الوصفات المعروفة، وتضم وصفات لمرق ولحوم وحبوب ضمن تقاليد غذائية قديمة في بلاد الرافدين. غير أن بياناتها لا تثبت تطابقًا بين وصفة المليحي ووصفة بابلية محددة، ولا تسمح بإثبات سلسلة انتقال مباشرة تمتد آلاف السنين. والمناسب علميًا هو الإشارة إلى تقاطع عام في استعمال الحبوب واللحوم ومنتجات الألبان ضمن تاريخ غذائي غرب آسيوي طويل، مع المحافظة على خصوصية المليحي السوري بوصفه طبقاً حياً ومعاصراً.
قائمة المصادر والمراجع