توثيق وتحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الديمجي من الحرف المرتبطة بصناعة الأقمشة القطنية وتجارتها في سورية. وهي حرفة لا تقوم على إنتاج نوع فاخر من المنسوجات، ولا على الأقمشة الحريرية ذات القيمة العالية، بل على نسيج يومي واسع الاستعمال هو الديما. ومن هنا تأتي أهميتها؛ فالديما كانت من الأثواب المعروفة عند أهل الشام، وكانت تدخل في كسوة الفقراء وأهل البلدة، أي في الجانب الأكثر اتصالاً بالحياة اليومية وحاجات الناس الأساسية.
يعرف قاموس الصناعات الشامية الديمجي بأنه من يتجر ببيع الديما، وهي أثواب تُنسج من القطن، معروفة عند أهل دمشق ولا تحتاج إلى كثير شرح في بيئتها الأصلية. وهذا التعريف يكشف أن الديما لم تكن نسيجاً نادراً أو غريباً، بل قماشاً مألوفاً ومتداولاً في المجتمع. فالقاموس لا يطيل في تعريفها لأنها جزء من معرفة الناس اليومية، وهذا بحد ذاته يدل على رسوخها في الاستعمال.
وتقوم الديما، من حيث طريقة العمل، على صنعة قريبة من الألاجا، بل يصفها القاسمي بأنها تقليد لها. غير أن الفرق الأساسي بينهما أن الألاجا تُصنع من الحرير والقطن معاً، في حين أن الديما تُصنع من القطن فقط. وهذا التفريق مهم لأنه يضع الديما في مرتبة اقتصادية واجتماعية مختلفة: فهي نسيج أبسط مادةً، وأقرب إلى الاستعمال الشعبي، وأقل اتصالاً بالترف الذي يمنحه الحرير للأقمشة المختلطة.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الديما بوصفها نسيجاً عملياً أكثر من كونه نسيجاً فاخراً. فاقتصارها على القطن يجعلها مناسبة للبس اليومي، ولسوق أوسع من الناس، ولا سيما الفقراء. فالحرير كان يرفع قيمة القماش ويجعله أكثر ارتباطاً بالوجاهة أو المناسبة أو القدرة المادية، أما القطن فكان يمنح القماش طابعاً عملياً وشعبياً، ويجعله أقرب إلى حاجات اللباس المتكرر.
ولا يقتصر عمل الديمجي على البيع فقط؛ إذ يميز القاموس بين أكثر من موقع داخل هذه الحرفة. فقد يكون الديمجي معلماً، أي الشخص الذي يهيئ لوازم الصنعة، ويشرف على حاجاتها من تدوير الأنوال وما يتصل بها من أدوات وتنظيم. وفي هذه الحالة لا يكون مجرد بائع، بل صاحب دور إنتاجي وإداري في سلسلة صناعة الديما. فهو يؤمّن ما تحتاجه الحرفة لتعمل: النول، ولوازمه، وتنظيم العمل حوله.
وقد يكون الديمجي أيضاً تاجراً أو بزازاً، أي يشتري الديما من المعلم أو المهيئ، ثم يبيعها في دكانه. ويشير القاسمي إلى أن هذا هو الغالب في دمشق، أي أن أكثر الديمجية كانوا يعملون في التجارة والبيع لا في إدارة الإنتاج المباشر. وهذا التفريق يكشف بنية اقتصادية واضحة: هناك من يهيئ الصنعة وينظم إنتاجها، وهناك من يشتري الناتج ويعرضه في السوق.
تكشف هذه البنية عن علاقة وثيقة بين الحرفة والنول والسوق. فالديما لا تُفهم فقط بوصفها قماشاً، بل بوصفها نتيجة شبكة عمل تبدأ من إعداد النول وتنظيم الإنتاج، ثم تمر عبر المعلم، ثم تصل إلى التاجر أو البزاز، ثم إلى المستهلك. ولهذا فإن الديمجي يقف في نقطة وسطى بين الصانع والتاجر؛ فقد يجمع بين الدورين، وقد يختص بأحدهما بحسب موقعه وقدرته ورأس ماله.
وتبدو أهمية هذه الحرفة في كونها رائجة جداً، بحسب وصف القاسمي. وسبب رواجها لا يعود إلى ندرة القماش أو فخامته، بل إلى العكس تماماً: إلى كونه قماشاً مطلوباً لكسوة أهل البلدة والفقراء. وهذا يجعل الديما جزءاً من الاقتصاد اليومي لا اقتصاد الرفاهية. فالحرف التي تلبي حاجات الفقراء والطبقات الواسعة قد لا تبدو لامعة في ظاهرها، لكنها غالباً أكثر ثباتاً في السوق لأنها ترتبط بالضرورة لا بالترف.
ومن الناحية الاجتماعية، تحمل حرفة الديمجي دلالة مهمة؛ فهي تكشف أن النسيج الشامي لم يكن كله موجهاً إلى الأغنياء أو الأسواق الفاخرة. إلى جانب الحرير، والدامسكو، والأغباني، والألاجا، كانت هناك أقمشة قطنية تؤدي وظيفة أساسية في كسوة الناس. والديما واحدة من هذه الأقمشة التي تجعلنا نرى الوجه الشعبي لصناعة النسيج: وجه الحاجة اليومية، واللباس العملي، والسوق الواسعة.
كما أن ارتباط الديما بالفقراء لا يعني أنها حرفة هامشية. فالقاسمي يصفها بأنها حرفة شريفة لا بأس بها، وهذا التعبير يدل على أنها كانت مقبولة اجتماعياً، وذات مردود، ومكانة مهنية مستقرة. فهي ليست من الحرف التي تقوم على الكفاف فقط، بل حرفة منتجة ومطلوبة، لها سوق داخلي وخارجي. وبذلك تجمع بين البعد الشعبي والاحترام المهني.
ولم يقتصر تداول الديما على دمشق وحدها، بل كان يُتّجر بجانب عظيم منها إلى خارجها، ولا سيما إلى السواحل وبلاد الأتراك، حيث كان لها قبول زائد. وهذا التفصيل مهم لأنه يخرج الديما من نطاق القماش المحلي الضيق إلى نطاق التجارة الإقليمية. فالقماش القطني الشامي، رغم بساطة مادته، كان قابلاً للتصدير ومطلوباً في أسواق أخرى، ما يدل على جودة إنتاجه أو ملاءمته لحاجات تلك الأسواق.
وتشير هذه التجارة الخارجية إلى أن الديمجي لم يكن يعمل فقط داخل سوق المدينة، بل ضمن حركة أوسع للمنسوجات. فالديما تُنتج أو تُجهز في الشام، ثم تُباع في الدكاكين، ثم قد تتحرك إلى السواحل وبلاد الأتراك. وهذا يبين أن الأقمشة اليومية كانت جزءاً من شبكات تبادل أوسع، وأن ما يبدو محلياً وشعبياً قد يحمل قيمة تجارية عابرة للمكان.
ومن الناحية التحليلية، تكمن أهمية الديما في أنها تضعنا أمام مفهوم مختلف للقيمة. فالمنسوجات الفاخرة تُقاس غالباً بجودة الحرير، وغنى الزخرفة، وارتفاع الثمن، أما الديما فتُقاس بقابليتها للانتشار، وبقدرتها على تلبية حاجة اللباس، وبملاءمتها لفئات واسعة من المجتمع. إنها قيمة قائمة على الاستعمال والوفرة لا على الندرة. ولذلك كانت حرفة الديمجي رائجة جداً، لأنها متصلة بحاجات متكررة لا تنقطع.
كما تكشف المقارنة مع الألاجا عن طبقات داخل عالم النسيج نفسه. فالألاجا، المصنوعة من الحرير والقطن، تقف في موضع أكثر زخرفية أو قيمة، بينما الديما، المصنوعة من القطن فقط، تمثل تبسيطاً مادياً وتقنياً لذلك النموذج. لكنها ليست مجرد نسخة أدنى؛ بل نسيج له سوقه ووظيفته وفئته الاجتماعية. وهنا يظهر كيف تتفرع الحرف النسيجية بحسب المادة والزبون والاستعمال.
وتتصل حرفة الديمجي أيضاً بثقافة البزازين، أي تجار الأقمشة، الذين يشكلون حلقة أساسية بين الإنتاج والاستهلاك. فحين يكون الديمجي تاجراً في بيع الديما، فإنه يدخل في عالم الدكاكين، والقياس، والبيع، ومعرفة طلب الزبائن. وبذلك يصبح خبيراً لا بالنسيج من حيث مادته فقط، بل بالسوق أيضاً: أي نوع يُطلب؟ من يشتريه؟ إلى أين يُصدّر؟ وما مقدار الرواج؟
ومن المهم الانتباه إلى أن الديمجي ليس بالضرورة ناسجاً بيده. فالحرفة، كما يعرضها القاموس، قد تكون حرفة تنظيم وتجارة أكثر من كونها حرفة تنفيذ مباشر على النول. وهذه نقطة دقيقة في فهم الصناعات التقليدية؛ فبعض الحرف تُسمى باسم السلعة التي تبيعها أو تنظم إنتاجها، لا باسم الفعل اليدوي وحده. لذلك قد يكون الديمجي معلماً مهيئاً للإنتاج، أو تاجراً بزازاً، أو صاحب دكان يبيع ما يشتريه من المعلم.
وتكشف هذه المرونة عن طبيعة الاقتصاد الحرفي في دمشق وبلاد الشام. فالحرفة ليست دائماً فرداً واحداً يجلس إلى أداة واحدة، بل قد تكون شبكة من أدوار: من يجهز، ومن ينسج، ومن يملك النول، ومن يشتري، ومن يبيع، ومن يصدّر. والديمجي مثال واضح على هذه الشبكة، لأنه يتحرك بين النول والدكان، وبين القماش المحلي والأسواق الخارجية.
تراجعت مثل هذه الحرف مع تغير أنماط اللباس، وانتشار الأقمشة الصناعية الجاهزة، وتبدل الأسواق التقليدية. فالأقمشة التي كانت تُعرف محلياً بأسمائها ووظائفها صارت تختلط اليوم ضمن تصنيفات تجارية عامة. ومع ذلك، فإن توثيق الديمجي مهم لأنه يحفظ اسماً من أسماء النسيج الشامي، ويعيد إلينا فهماً أدق لتدرجات الأقمشة، من الفاخر إلى الشعبي، ومن الحرير المخلوط إلى القطن الخالص.
إن حرفة الديمجي تكشف أن تاريخ النسيج لا يكتمل بدراسة المنسوجات الفاخرة وحدها. فهناك أقمشة يومية مثل الديما صنعت حياة الناس ولباسهم، ولبّت حاجات الفقراء، وتحركت في الأسواق، ووجدت قبولاً خارج بلاد الشام. ومن خلال الديمجي يمكن أن نقرأ جانباً من تاريخ الاقتصاد الشعبي: كيف يتحول القطن إلى ثوب، والثوب إلى سلعة، والسلعة إلى كسوة، والكسوة إلى جزء من هوية المكان.
ولهذا فإن حفظ ذاكرة الديمجي يعني حفظ معرفة بنسيج قطني كان معروفاً ومطلوباً، وبحرفة جمعت بين النول والتجارة، وبين المعلم والبزاز، وبين السوق المحلي والتبادل الإقليمي. إنها حرفة بسيطة في مادتها، لكنها كبيرة في دلالتها، لأنها تضيء علاقة الناس بالقماش لا بوصفه ترفاً، بل بوصفه ضرورة يومية وكسوة ومعاشاً.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 147–148.