حرفة الطرّاز

توثيق: هتون مقرش، وفاطمة برازي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

26/04/2026

تُعدّ حرفة الطرّاز من الحرف التي تمنح القماش حياة ثانية. فالقماش قبل التطريز يبقى سطحاً خاماً، أما بعده فيتحول إلى حامل للزخرفة والرمز والذاكرة. ومن هنا لا تُفهم هذه الحرفة بوصفها تزييناً إضافياً فقط، بل بوصفها فناً دقيقاً يربط بين اليد والعين، وبين اللون والخيط، وبين اللباس والهوية الاجتماعية. فالقطعة المطرزة لا تُقرأ من مادتها وحدها، بل من نقشتها، وألوانها، وغرزها، والبيئة التي تنتمي إليها.

يعرف قاموس الصناعات الشامية الطرّاز بأنه من ينقش الأقمشة، ولا سيما من أصناف الحرير، إذ تُطبع الرسوم أولاً على القماش بواسطة قوالب بحسب الرغبة، ثم يُباشر بتطريزها بالحرير الملوّن على مقتضى الرسم. ويذكر القاموس أن هذه الرسوم قد تتضمن عروقاً، وبحيرات، وماءً، وأشكالاً متعددة من الطيور، والورود، والحيوانات، وغيرها. هذا التعريف يبيّن أن الطراز يقوم على مرحلتين متلازمتين: إعداد الرسم أولاً، ثم تحويله بالخيط إلى زخرفة ثابتة على القماش.

تبدأ الحرفة باختيار القماش المناسب، ثم اختيار الخيوط والألوان والنقشة المطلوبة. بعد ذلك تُرسم النقشة على القماش، أو تُنقل إليه بوسائط مساعدة، ثم يُثبّت القماش على الطارة في حالة التطريز اليدوي، وتبدأ عملية الغرز. وهنا تظهر حساسية العمل؛ فالمطرّز لا يملأ الفراغات عشوائياً، بل يتبع مسار الرسم، ويوازن بين اللون والفراغ، وبين كثافة الخيط وليونة القماش. لذلك يحتاج التطريز إلى صبر طويل ودقة في النظر وحركة يد متوازنة.

وتكشف أدوات الحرفة عن طبيعتها الدقيقة. فالطارة تشدّ القماش وتحافظ على استقامته أثناء العمل، والإبرة تمرر الخيط ضمن الغرز، وقد تُستخدم الإبرة المستقيمة أو المعكوفة بحسب نوع التقنية، أما مقص التطريز الصغير فيُستعمل لقص الخيوط الزائدة وتنظيف التفاصيل. وإلى جانب هذه الأدوات اليدوية، دخلت الماكينات الصناعية ثم الإلكترونية، فغيّرت سرعة الإنتاج وشكل السوق، لكنها لم تُلغِ القيمة الخاصة للقطعة المطرزة يدوياً.

تقوم مراحل العمل التقليدية على تسلسل واضح: اختيار القماش والخيط، رسم النقشة، تثبيت القماش، اختيار الألوان، تنفيذ الغرز الأساسية، ملء الفراغات، ثم تنظيف القطعة وإنهاؤها. أما في التطريز بالماكينة، فيتحول جزء من المهارة من اليد المباشرة إلى إعداد الرسم وضبط الآلة والخيوط ومسار التنفيذ. وهذا التحول مهم؛ لأنه لا يعني اختفاء الحرفة، بل انتقال مركز المهارة من الغرزة اليدوية إلى إدارة التقنية، مع بقاء الفرق الجمالي واضحاً بين اليد والآلة.

تحمل لغة الحرفة مصطلحات بسيطة لكنها دقيقة. فـ إبرة التطريز تشير إلى الإبرة الرفيعة المستخدمة في العمل، وعبارة عيد وافتق تعني قص الغرز القديمة وإزالتها وإعادة تنفيذها من جديد. وهذا المصطلح الأخير مهم لأنه يبيّن أن التطريز لا يقوم فقط على الإضافة، بل على التصحيح والمراجعة. فالخطأ في الغرزة أو اللون قد يحتاج إلى فكّ العمل وإعادته، مما يجعل الصبر جزءاً أساسياً من مهارة الطرّاز.

ارتبطت حرفة الطراز في سوريا بالنساء والبيوت من جهة، وبالأسواق والورش من جهة أخرى. فقد كان التطريز اليدوي جزءاً من العمل المنزلي، ومجالاً للتعبير الجمالي، ومصدراً مساعداً للدخل، كما دخل في جهاز العروس واللباس التقليدي والمفروشات. وفي الوقت نفسه، عمل الرجال أيضاً في الحرفة، ولا سيما مع توسع التطريز بالماكينات وظهور الورش المتخصصة في الأسواق. لذلك لا يمكن حصر الحرفة في فضاء واحد؛ فهي تنتقل بين البيت والسوق، وبين العمل النسوي المنزلي والإنتاج التجاري.

ومن الناحية البصرية، تكشف النقوش المطرزة عن علاقة وثيقة بين الزخرفة والبيئة الثقافية. فالأشكال النباتية والحيوانية والهندسية، مثل الورود، والطيور، وأشجار الحياة، وسعفات النخيل، وأشجار السرو، والرمان، والمثلثات، والمربعات، والمعينات، ليست مجرد وحدات زخرفية، بل علامات تتكرر في الذاكرة البصرية للأقمشة السورية. ومع اختلاف المناطق، تختلف الألوان والنقوش وتوزيعها، فتغدو القطعة المطرزة شاهداً على ذوق محلي وهوية مكانية واجتماعية.

ويظهر في هذه الحرفة تداخل واضح بين الطراز بوصفه مهنة، والتطريز بوصفه ذاكرة لباس. فالطرّاز لا يضيف الخيط إلى القماش فقط، بل يشارك في تحديد صورة الثوب أو المفرش أو القطعة التراثية. ولذلك كانت الحرفة حاضرة في الملابس التقليدية، والأغطية، والمفروشات، والقطع التي ترتبط بالمناسبات. فالزخرفة هنا ليست زائدة عن الحاجة، بل جزء من معنى القطعة ومكانتها.

ومع دخول الآلات، تبدّل موقع التطريز اليدوي. فقد أصبحت الماكينات قادرة على إنتاج قطع كثيرة خلال وقت أقل وبكلفة أدنى، مما جعل التطريز اليدوي أقل طلباً وأعلى سعراً. كما ساهمت الماكينات الإلكترونية في تبسيط بعض النقوش وتكرارها بدقة صناعية. لكن هذا التطور خلق مفارقة واضحة: فالصناعة الحديثة وسّعت انتشار التطريز، لكنها في الوقت نفسه أضعفت الحاجة إلى المهارة اليدوية التي كانت تمنح كل قطعة فرادتها.
تواجه الحرفة اليوم تحديات متعددة. فالعدد القليل ممن يتقنون التطريز اليدوي، وضعف إقبال الأجيال الجديدة على تعلمه، وانخفاض سعر القطع المطرزة آلياً، كلها عوامل جعلت العمل اليدوي مهدداً بالتراجع. كما أن ارتفاع أسعار الخيوط والمواد، وتغير ذوق السوق، والمنافسة الصناعية، كلها تؤثر في استمرار الحرفة بصيغتها التقليدية. ومع ذلك، ما زالت الحرفة موجودة: يدوياً في بعض المنازل، وآلياً في ورش صغيرة، ولا سيما في الأسواق التي ترتبط بالخياطة واللباس.

وتبرز أهمية التعليم في حماية هذه الحرفة، لأن التطريز ليس مهارة ميكانيكية فقط، بل معرفة بالنقشة، واللون، والغرز، ونوعية القماش. لذلك فإن إدخال التطريز في التعليم المهني والفني، وتشجيع إنتاج قطع فنية مستوحاة من الزخارف التقليدية، يمكن أن يحوّل الحرفة من ممارسة مهددة إلى مجال إبداعي معاصر. فالحفاظ على الطراز لا يعني تكرار الماضي كما هو، بل فهم نظامه البصري والتقني وإعادة توظيفه بوعي.

تُظهر حرفة الطرّاز أن الخيط قد يحمل أكثر من وظيفة. فهو يثبت اللون، ويرسم الشكل، ويحفظ الذاكرة، ويمنح القماش هوية. ومن الرسم الأول على القماش، إلى الغرزة الأخيرة، تتشكل القطعة المطرزة بوصفها عملاً يجمع الصبر والدقة والذوق. لذلك فإن توثيق هذه الحرفة لا يقتصر على أدواتها وغرزها، بل يشمل أيضاً عالمها الاجتماعي: النساء في المنازل، الطرازون في الأسواق، جهاز العروس، الأقمشة التراثية، والذاكرة البصرية التي جعلت من التطريز السوري فناً قريباً من الحياة اليومية، لا مجرد زخرفة على هامشها.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 292–293.
مقرش، هتون. «نموذج توثيق حرفة الطراز». توثيق ميداني، دمشق، سوق الخياطين، 5 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع ماهر موسى.
برازي، فاطمة. «توثيق مهنة طراز». نموذج توثيق ميداني، حماه، 2026. مقابلة مع أحمد ومحسن دبيك.