توثيق: هتون مقرش
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الخياط من الحرف التي تقف في قلب الحياة اليومية، لأنها تتعامل مع أكثر الأشياء قرباً من الإنسان: اللباس. فالخياط لا يبيع قماشاً جاهزاً، ولا ينتج قطعة موحّدة تصلح للجميع، بل يصنع ثوباً يتوافق مع قياس الجسد، ورغبة الزبون، وطبيعة المناسبة، والذوق الاجتماعي السائد. ومن هنا تظهر خصوصية الحرفة؛ فهي تجمع بين المهارة التقنية، والحس الجمالي، والمعرفة الدقيقة بالفروق بين الأجساد والأقمشة والاستعمالات.
يعرف قاموس الصناعات الشامية الخياط بأنه من يفصل المنسوج ليصنع منه ثياباً مختلفة بحسب رغبة الناس، فيقطعه بالمقراض بما يناسب أعضاء الجسد، ثم يلحم تلك القطع بالخياطة المحكمة وصلاً وتثبيتاً بحسب نوع الصناعة. هذا التعريف يضع الخياط في موقع وسيط بين القماش والجسد؛ فالقماش مادة مسطحة، أما الجسد فحجم وحركة وانحناءات، ومهمة الخياط أن يحوّل المسطح إلى لباس قابل للارتداء، مريح، ومتقن، ومناسب لمقام صاحبه.
تبدأ الحرفة من القياس. يأخذ الخياط مقاسات الزبون، ويسأل عن نوع القطعة المطلوبة وموديلها، ثم ينتقل إلى رسم القالب. وقد يُرسم القالب على الورق أولاً قبل نقله إلى القماش، أو يُرسم مباشرة على القماش في طريقة تُعرف في الذاكرة المهنية باسم الخياطة العربي. وهذه المرحلة تكشف أن الخياطة ليست عملاً آلياً يبدأ من الماكينة، بل من قراءة الجسد وتحويل قياساته إلى خطوط وحدود. فالخطأ في القياس أو العلام ينعكس على القطعة كلها، مهما كانت جودة القماش أو دقة الخياطة.
بعد رسم القالب، يُطوى القماش على الخلف، ثم يُوضع القالب عليه، وتُرسم حدوده بحجر العلام، قبل أن يُقص بالمقص. يلي ذلك تطبيق الأجزاء بعضها على بعض وتثبيتها بالدبابيس، ثم تأتي السراجة، وهي غرزة أولية مؤقتة تجمع القطع قبل تثبيتها النهائي. ولهذه المرحلة أهمية كبيرة لأنها تسمح بتجريب القطعة على الجسد قبل اعتمادها. لذلك لا تُفهم السراجة كخطوة تقنية بسيطة فقط، بل كمرحلة اختبار بين التصور والتنفيذ.
تأتي بعد ذلك مرحلة البروفا، وهي لحظة أساسية في الخياطة، خصوصاً في الأزياء النسائية وفساتين السهرة والعرس، حيث قد تحتاج القطعة إلى أكثر من تجربة قبل الوصول إلى الشكل النهائي. تكشف البروفا أن الثوب لا يُصنع مرة واحدة، بل يتدرج عبر التعديل والتجريب والمراجعة. فالخياط هنا لا ينفذ قياسات جامدة، بل يراقب كيف يجلس القماش على الجسد، وكيف تتحرك القطعة، وأين تحتاج إلى تضييق أو توسيع أو تعديل.
بعد البروفا تأتي الدرزة، وهي الخياطة النهائية التي تثبت أجزاء القماش معاً. وكانت تُنجز سابقاً يدوياً، ثم دخلت ماكينة الدرزة لتسرّع العمل وتزيد انتظامه. وتليها الحبكة على أطراف القماش للحفاظ عليه من التنسيل. وقبل انتشار ماكينة الحبكة، كانت هذه المهمة تُنجز يدوياً بغرزة اللفقة، ثم حلّت ماكينة الزيكزاك محلها، قبل أن تنتشر ماكينة الحبكة الإلكترونية. هذا التحول يوضح كيف تغيّرت أدوات الحرفة من اليد إلى الماكينة، لكن من دون أن تختفي الحاجة إلى عين الخياط وخبرته في ترتيب المراحل.
ولا تنتهي الخياطة عند الدرزة والحبكة، بل تحتاج القطعة إلى تنظيف الخيوط الزائدة والكي. وللكي وظيفة تتجاوز الترتيب الخارجي؛ فهو يعطي القطعة قولبة، أي يساعد على تثبيت شكلها وحجمها ووقفتها على الجسد. ولهذا تظهر أهمية المكواة في الذاكرة المهنية والشعبية للحرفة، لأن الثوب لا يكتمل من دون فتح الخياطات وكويها وضبط انحناءات القماش. فالكي هنا جزء من الصنعة، وليس خطوة تجميلية لاحقة.
تكشف مصطلحات الخياطة عن معرفة مهنية دقيقة. فـ أخد علام يعني رسم داير القالب الورقي على القماش، والدرزة هي الغرزة التي تثبّت القماش، والحبكة هي الغرزة التي تحمي أطراف القماش من التنسيل، وتفتيح الخوايط هو كوي خط الدرزة مع إبعاد طرفي القماش بعد الخياطة. هذه المفردات تختزن طريقة التفكير داخل الحرفة: القياس، العلام، القص، التثبيت، التجريب، الإنهاء. وهي لغة لا تخص الأدوات وحدها، بل تخص العلاقة بين اليد والقماش والجسد.
وتعتمد الحرفة على مواد متعددة: الأقمشة بأنواعها، قماش التلزيق لتقوية بعض الأجزاء، قماش البطانة، الخيوط، الأزرار، والسحابات. أما أدواتها فتجمع بين ما اندثر أو تراجع استعماله وما بقي حاضراً. فقد استُخدمت ماكينة الخياطة اليدوية ذات المقبض الدائري، وماكينة الزيكزاك، ومكواة الفحم، ثم استُعيض عنها بماكينات إلكترونية ومكاوٍ كهربائية. ومع ذلك، ما زالت أدوات أساسية مثل الإبرة، والمقص، والميزورة، والطباشير أو حجر العلام، والدبابيس، وورق الخياطة، حاضرة في الورشة، لأنها أدوات لا يمكن الاستغناء عنها مهما تطورت الآلات.
اجتماعياً، ارتبطت الخياطة بالمنازل والأسواق معاً. فقد كانت النساء يقصدن الخياطة لتفصيل الملابس النسائية، ولا سيما في الأعياد والأعراس والمناسبات، وكانت العروس تفصّل جهازاً كاملاً يضم مجموعة متنوعة من الملابس. أما الرجال فكانوا يقصدون الخياط لتفصيل ملابسهم، خصوصاً في المناسبات والأعياد. بهذا المعنى، لم تكن الخياطة مجرد خدمة مهنية، بل جزءاً من طقوس اجتماعية مرتبطة بالمناسبات، والانتقال بين مراحل الحياة، والظهور اللائق أمام الجماعة.
وفي دمشق، ارتبطت الحرفة بسوق الخياطين، وهو ارتباط يكشف مكانتها داخل التنظيم المهني والعمراني للمدينة. فوجود سوق خاص لا يعني تجمع محلات فقط، بل يدل على أن الحرفة كانت جزءاً من بنية اقتصادية واجتماعية واضحة، حيث يعرف الناس أين يذهبون للتفصيل، وحيث تتراكم الخبرة بين الورش والحرفيين والزبائن. كما يظهر من التوثيق الميداني أن الحرفة ما زالت قائمة في الورش الخاصة والمنازل والمحلات الصغيرة، وإن كانت قد تغيّرت أدواتها وطرقها.
وتحمل الخياطة في الذاكرة التراثية مكانة أخلاقية أيضاً. فقد ارتبطت في بعض الروايات الدينية والكتابات المهنية بصورة الحرفة المحمودة التي تتطلب الأمانة والإتقان؛ لأن الخياط يتعامل مع ثياب الناس، ومع ما يبقى من القماش بعد التفصيل، ومع قوة الثوب وجودة صنعه. لذلك لا تقوم الحرفة على المهارة وحدها، بل على الثقة. فالزبون يسلّم الخياط قماشه ومقاسه وذوقه، وينتظر منه أن يعيدها في صورة ثوب مضبوط ومتقن.
لكن الخياطة التقليدية تواجه اليوم تحديات واضحة. فقد أدّى انتشار الملابس الجاهزة إلى تراجع الطلب على التفصيل، لأنها أقل كلفة وأسرع إنتاجاً. كما أثّر ارتفاع أسعار الأقمشة والمواد الأولية وصعوبة توافرها على قدرة الخياطين والزبائن معاً. وتضاف إلى ذلك منافسة المعامل التي تنتج كميات أكبر خلال وقت أقصر وبتكلفة أقل، إلى جانب ضعف إقبال الجيل الجديد على تعلّم المهنة. هذه العوامل لا تلغي وجود الخياط، لكنها تغيّر مكانته؛ فبدلاً من أن يكون التفصيل خياراً يومياً شائعاً، صار في كثير من الحالات مرتبطاً بالحاجة الخاصة أو المناسبة أو التعديل والترقيع.
ومع ذلك، تبقى حرفة الخياط حاضرة لأنها تستجيب لما لا تستطيع الملابس الجاهزة تلبيته دائماً: خصوصية الجسد، ودقة المقاس، وتعديل القطعة، وإصلاحها، وإنتاج لباس يوافق ذوق صاحبه. لذلك فإن توثيق هذه الحرفة لا يقتصر على تسجيل أدواتها القديمة، بل يشمل فهم علاقتها بالناس، وبالمناسبات، وبالتحولات الاقتصادية التي نقلت اللباس من التفصيل الشخصي إلى الإنتاج الجاهز.
تُظهر حرفة الخياط أن اللباس ليس نتيجة القماش وحده، بل نتيجة قياس ومعرفة وتجربة وثقة. فمن العلام الأول على القماش، إلى السراجة، فالبروفا، فالدرزة، فالحبكة، فالكي، تتشكل القطعة عبر مراحل متتابعة تحمل أثر اليد والخبرة. وحفظ هذه الحرفة يعني حفظ لغة كاملة من المصطلحات والممارسات والعلاقات الاجتماعية التي جعلت من الخياط شخصية مألوفة في السوق والبيت والذاكرة اليومية.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 130–133.
مقرش، هتون. «نموذج توثيق حرفة الخياط». توثيق ميداني، دمشق، سوق الخياطين، 15 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع عبد الحكيم ناجي «أبو بشار».