توثيق: أحمد خالد اليغشي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة المرادني من الحرف الدقيقة التي لا تنتج قماشاً أو خيطاً أو لباساً مباشراً، بل تصنع أداة تدخل في صلب عمل الغزل والنسيج. ولهذا تبدو هذه الحرفة، في ظاهرها، أقل حضوراً من حرف النسّاج أو الغزولي أو الغزّالة، لكنها في الحقيقة تكشف جانباً مهماً من البنية الحرفية القديمة: فكل حرفة كبرى كانت تقوم على أدوات صغيرة تصنعها حرف أخرى متخصصة، ومن دون هذه الأدوات لا تكتمل سلسلة الإنتاج.
يعرف قاموس الصناعات الشامية المرادني بأنه من يصنع المردن، وهي أداة مؤلفة من سيخ حديد تُركّب عليه ماسورة خشبية تُعرف بـ البكرة. وكان هذا المردن يُستخدم في عمل الغزّالات، إذ يُلفّ عليه الحرير أو الخيط. كما كان المرادني يصنع شكلاً أصغر من المردن يُستخدم للفتّالة، وذلك لتركيب ماسورة الحرير عليه. بهذا المعنى، لا يمكن فصل المرادني عن حرف الغزل والفتل والنسيج، لأنه يصنع الأداة التي تساعد على تنظيم الخيط ولفّه وتجهيزه للعمل.
تبدأ الحرفة من تحضير سيخ من الحديد، يكون طوله نحو نصف ذراع أو أقل بحسب نوع الاستخدام. ثم يُدخل السيخ في النار حتى يحمرّ، وبعد ذلك يُطرق طرفاه حتى يرقّا. هذه العملية تكشف أن الحرفة تجمع بين معرفة بالحديد والنار والطرق، لكنها لا تنتمي إلى صناعة معدنية مستقلة بالكامل، لأن وظيفتها النهائية تخدم النسيج لا الحدادة وحدها. فالمرادني يصنع أداة معدنية-خشبية مخصصة لحركة الخيط، لا قطعة معدنية عامة.
بعد إعداد السيخ الحديدي، تُركّب فيه ماسورة خشبية تُعرف بالبكرة. وهذه البكرة هي الجزء الذي يُلف عليه الخيط أو الحرير. وهنا تظهر الطبيعة المركّبة للأداة: الحديد يمنحها الثبات والمتانة، والخشب يوفّر سطحاً مناسباً للّف والدوران. لذلك تقوم الحرفة على توازن بين مادتين: الحديد بوصفه محوراً صلباً، والخشب بوصفه وسيطاً عملياً لحمل الخيط.
وتكمن أهمية المردن في علاقته بسلسلة الغزل. فالخيط، قبل أن يدخل في النسيج، يحتاج إلى تنظيم ولفّ وحفظ من التشابك. والمردن يساعد على هذه العملية، سواء عند الغزّالات أو الفتّالة أو في الأعمال المتصلة بتحضير الحرير والخيط. لذلك فإن المرادني لا يظهر في المنتج النهائي، لكن أثره حاضر في انتظام العمل نفسه. فالنسيج لا يقوم على النول وحده، بل على شبكة أدوات تسبق النول وتواكبه.
كانت هذه الحرفة رائجة في دمشق في زمن سابق، حتى إن لها سوقاً خاصاً عُرف بـ سوق المرادنية. ووجود سوق خاص بها يدل على أن الطلب على هذه الأدوات كان كبيراً بما يكفي لتشكيل جماعة مهنية ومكان تجاري معروف. وهذا مهم جداً في قراءة الحرفة؛ فالمرادني لم يكن صانعاً هامشياً، بل جزءاً من اقتصاد أدوات النسيج، حين كانت حرف الغزل والفتل والحرير أكثر حضوراً في المدينة.
ويُظهر ارتباط الحرفة بسوق المرادنية أن دمشق لم تكن مركزاً لإنتاج المنسوجات فقط، بل مركزاً لصناعة الأدوات التي تخدم هذا الإنتاج. فالمدينة، في بنيتها الحرفية القديمة، لم تكن تفصل بين المنتج النهائي وأدوات إنتاجه؛ بل كانت تضم حرفيين يصنعون الأدوات، وحرفيين يستخدمونها، وتجاراً يوزعون المواد والمنتجات. ومن هنا يمكن فهم المرادني كجزء من منظومة واسعة لا تظهر كاملة إلا عند تتبع التفاصيل الصغيرة.
لكن هذه الحرفة اندثرت اليوم، على الأقل في دمشق. وتشير المادة الموثقة إلى أن السوق الذي كان يحمل اسمها تغيّرت معالمه وتحول إلى مهن تجارية أخرى. وقد يكون لبعض أدواتها حضور محدود في حلب بسبب بقاء بعض أدوات الغزل التقليدية هناك، لكن لا يوجد مصدر يؤكد استمرار الحرفة بصورتها القديمة. هذه المعلومة تجعل المرادني مثالاً واضحاً على الحرف التي اختفت مع اختفاء الحاجة إلى أدواتها التقليدية.
ويعود اندثار المرادني إلى تغيّر سلسلة الإنتاج نفسها. فحين تراجعت دوالب الغزل والأدوات اليدوية، وحلّت الماكينات الحديثة محل كثير من مراحل الغزل واللف، لم تعد الحاجة قائمة إلى صناعة المردن بالطريقة القديمة. وهنا لا يندثر المنتج وحده، بل يندثر أيضاً السوق، والاسم، والمعرفة التقنية المرتبطة بالحديد والخشب والخيط.
تُظهر حرفة المرادني أن بعض الحرف لا تُفهم من حجمها أو شهرتها، بل من موقعها داخل شبكة العمل. فالمردن أداة صغيرة، لكنه كان جزءاً من نظام كامل لإنتاج الخيط وتنظيمه. وحفظ هذه الحرفة اليوم لا يعني إحياءها بالضرورة، بل توثيق اسمها، وسوقها، ومادتها، وطريقة صنعها، وصلتها بالغزّالات والفتّالة والنسيج. فهي حرفة تكشف أن التراث الحرفي لا يتكوّن من المنتجات الجميلة وحدها، بل أيضاً من الأدوات التي كانت تجعل إنتاجها ممكناً.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 426–427.
اليغشي، أحمد خالد. «نموذج توثيق حرفة المرادني». توثيق ميداني/بحثي، 20 شباط/فبراير 2026.