حرفة الغزالة

توثيق: أحمد خالد اليغشي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

27/04/2026

تُعدّ حرفة الغزّالة من الحرف الأساسية في إنتاج الخيط، لأنها تقف في المرحلة التي يتحول فيها الصوف من مادة خام مأخوذة من الأغنام إلى خيط قابل للاستعمال في النسيج. وهي حرفة منزلية وريفية في جوهرها، لا تقوم داخل السوق أو الخان كما في بعض حرف الغزل التجارية، بل داخل البيوت وفي البيئات التي يتوفر فيها الصوف نتيجة الرعي وتربية الأغنام. ومن هنا تأتي خصوصيتها؛ فهي حرفة تجمع بين العمل اليدوي، والمعرفة النسائية المتوارثة، والاقتصاد المنزلي محدود الموارد.

يعرف قاموس الصناعات الشامية الغزّالة بأنها من تغزل الصوف بالمغزل، أي أنها تتولى تحويل الصوف إلى خيط. ويصف القاموس طريقة العمل بأنها تبدأ بغسل الصوف وتنظيفه، ثم تنشيفه، ثم سحب طاقة منه كالخيط ولفّه على دولاب الغزل، ثم برمه على المردن حتى يتماسك. وبعد اكتمال هذه العملية، تنتقل الشلل إلى أصحاب الصنائع، حيث تُستخدم لاحقاً في أعمال نسيجية متعددة. بهذا المعنى، لا تنتج الغزّالة النسيج النهائي، لكنها تؤمّن إحدى مواده الأولى: الخيط.

تبدأ مراحل الحرفة بجمع الصوف، ثم غسله وتنظيفه وتنشيفه. وهذه المراحل الأولى مهمة لأنها تهيّئ المادة قبل الغزل؛ فالصوف الخارج من الحيوان لا يكون جاهزاً مباشرة، بل يحتاج إلى تنظيف وإزالة ما علق به، ثم إلى تجفيفه حتى يصبح قابلاً للسحب والبرم. بعد ذلك تمسك الغزّالة بالصوف وتسحب منه طاقة رفيعة تشبه الخيط، ثم تبدأ ببرمه ولفّه على أداة خشبية تُعرف باسم المردن، أو تستخدم دولاب الغزل بحسب الأداة المتوفرة.

ويُعدّ المغزل أو المردن الأداة المركزية في هذه الحرفة. فالمردن قضيب خشبي يُلف عليه الخيط ويُبرم حتى يكتسب تماسكه، أما دولاب الغزل فيساعد على تنظيم الحركة واستمرارها. ورغم بساطة هذه الأدوات، فإن العمل يحتاج إلى خبرة دقيقة في شدّ الخيط ومنع انقطاعه، وفي تقدير سماكته، وفي الحفاظ على انتظام البرم. لذلك لا تكمن مهارة الغزّالة في الأداة وحدها، بل في حركة اليد، وإيقاع السحب، ومعرفة درجة ليونة الصوف.

تظهر أهمية هذه الحرفة في أنها ترتبط مباشرة بسلسلة النسيج. فبعد أن تغزل المرأة الصوف وتحوّله إلى خيوط أو شلل، يُباع الناتج لأصحاب المهن المتصلة بالنسيج، أو لمن يصنعون الحبال والخيوطان. وهنا يتضح أن الغزّالة، رغم عملها داخل البيت، ليست معزولة عن السوق؛ فهي جزء من اقتصاد إنتاجي أوسع يبدأ بالصوف وينتهي بالمنسوجات أو الحبال أو غيرها من المنتجات التي تعتمد على الخيط.
وترتبط الغزّالة بالبادية والمناطق الريفية، خصوصاً حيث تتوفر الأغنام وأصوافها. فهذه الحرفة تنشأ في بيئة تتوافر فيها المادة الخام، وتستفيد من العمل المنزلي، وتمنح بعض النساء مصدر دخل محدوداً. لذلك يمكن فهمها بوصفها حرفة نسائية واقتصادية في آن واحد؛ فهي تقوم على مهارة متوارثة داخل العائلة، لكنها تؤدي أيضاً وظيفة معيشية، خاصة لدى النساء من ذوات الدخل المحدود.

ومن الناحية الاجتماعية، تكشف حرفة الغزّالة عن دور النساء في المراحل الخفية من إنتاج النسيج. فالقماش أو الحبل لا يبدأ من النول أو السوق فقط، بل من عمل طويل داخل البيت: غسل، وتنظيف، وتجفيف، وسحب، وبرم، ولف. وهذه المراحل لا تكون ظاهرة دائماً في المنتج النهائي، لكنها أساسه الأول. لذلك فإن توثيق الغزّالة يردّ الاعتبار إلى العمل النسائي الذي سبق النسيج وأتاحه.

وتحمل الحرفة بعداً تعليمياً وتوارثياً واضحاً. فقد كانت تُتعلم بالوراثة العائلية والتلمذة، وتنتقل من النساء الأكبر سناً إلى الأصغر سناً عبر الممارسة المباشرة. ولا تزال بعض السيدات الكبيرات في السن يمارسنها ويعلّمنها لمن ترغب في التعلم داخل القرى. وهذا يؤكد أن المعرفة في هذه الحرفة ليست مكتوبة غالباً، بل محفوظة في الجسد والذاكرة والحركة اليومية.

أما اليوم، فالحرفة ما زالت تمارس ولكن بشكل محدود في البادية والمناطق الريفية. ويعود تراجعها إلى ضعف اهتمام الجيل الجديد بتعلمها، وإلى اعتماد الحرفة حالياً على سيدات كبيرات في السن. ومع ذلك، فإن أدواتها لم تتغير كثيراً؛ فهي لا تزال تُمارس بالأدوات التقليدية نفسها، ما يجعلها من الحرف التي حافظت على شكلها التقني رغم تراجع حضورها الاجتماعي والاقتصادي.

وتكشف هذه الحرفة عن مفارقة مهمة: فهي بسيطة في أدواتها، لكنها أساسية في سلسلة الإنتاج. فالمغزل أو المردن لا يبدو آلة معقدة، غير أن العمل عليه ينتج الخيط الذي تقوم عليه مهن أخرى. لذلك فإن تراجع الغزّالة لا يعني فقدان حرفة صغيرة فقط، بل فقدان مرحلة كاملة من مراحل إنتاج الخيط التقليدي، بما تحمله من معرفة بالصوف، وجودته، وتنظيفه، وسحبه، وبرمه.

إن حفظ حرفة الغزّالة لا يعني فقط تسجيل اسمها أو تصوير أدواتها، بل توثيق علاقتها بالبيت والبادية والنساء والعمل المعيشي. فهي حرفة تكشف كيف تحوّلت مادة متاحة في البيئة، مثل صوف الأغنام، إلى خيط يدخل في النسيج والحبال والمنتجات اليومية. ومن هنا تصبح الغزّالة شاهداً على اقتصاد منزلي طويل، وعلى معرفة نسائية ريفية أسهمت في صناعة النسيج قبل أن يصل الخيط إلى السوق أو النول.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 368.
اليغشي، أحمد خالد. «نموذج توثيق حرفة الغزّالة». توثيق ميداني/إعلامي، البادية والمناطق الريفية، 20 شباط/فبراير 2026.