توثيق: هانية الخولي، فاطمة البرازي
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الجوخي من الحرف المرتبطة بتجارة الأقمشة وصناعة اللباس في دمشق، ولا سيما الأقمشة الصوفية الثقيلة التي عُرفت باسم الجوخ. وهي حرفة تقع في منطقة وسطى بين بائع القماش والخياط؛ فالجوخي لا يصنع الثوب النهائي بالضرورة، لكنه يوفّر المادة التي تُبنى عليها قطع لباس شتوية وتقليدية تحتاج إلى قماش متين، دافئ، وقابل للتفصيل. ومن هنا تأتي أهمية هذه الحرفة، لأنها لا تتصل بالقماش بوصفه سلعة فقط، بل بوصفه مادة تدخل في تشكيل هيئة اللباس ومكانته واستعماله.
يعرف قاموس الصناعات الشامية الجوخي بأنه بائع الجوخ، ويشبّهه بالبزّاز من حيث طبيعة العمل، لأن الحرفة تقوم على بيع نوع محدد من الأقمشة. ويذكر أن الجوخ قد يأتي بألوان بسيطة مثل الأسود، والأزرق، والأحمر، وغيرها، وأن بعضه يكون منقوشاً أو ملوّناً. هذا التنوع في اللون والنوع يبيّن أن الجوخ لم يكن مادة واحدة ثابتة، بل قماشاً تتعدد استعمالاته بحسب اللون، والسماكة، والجودة، والجهة التي سيُفصّل لها.
في دمشق، ارتبطت هذه الحرفة بسوق الخياطين وبالأسواق التي تخدم صناعة اللباس. وهذا الارتباط طبيعي، لأن الجوخ لا يكتمل معناه إلا حين ينتقل من يد التاجر إلى يد الخياط، ثم إلى جسد الزبون. فالجوخي يبيع المادة، والخياط يحوّلها إلى قطعة لباس. وبين الاثنين تتشكل معرفة مشتركة بنوع القماش، وطريقة قصّه، ومدى احتماله للخياطة، وطريقة استعماله في الملابس الشتوية أو القطع الأكثر رسمية.
ويُفهم الجوخ بوصفه قماشاً مرتبطاً بالملابس الشتوية. فهو ليس قماشاً خفيفاً أو يومياً بالمعنى العام، بل يرتبط غالباً بالدفء، والمتانة، والقطع التي تحتاج إلى ثقل نسبي ووقفة واضحة على الجسد. لذلك كان اختيار نوع الجوخ جزءاً من القرار الجمالي والعملي في آن واحد: هل القطعة للبرد؟ هل هي للاستعمال اليومي؟ هل تحتاج إلى لون داكن محافظ؟ أم إلى لون أو نقش أكثر حضوراً؟
ومن الناحية التقنية، تبدأ العلاقة بالجوخ من اختيار القماش المناسب، ثم أخذ القياسات، ثم تفصيل القطعة بحسب الغرض المطلوب. وبعد ذلك تأتي مراحل ضبط القماش وقصّه، ثم خياطته وتشطيبه. ورغم أن هذه المراحل تبدو قريبة من عمل الخياط، فإن خصوصية الجوخ تكمن في مادته نفسها؛ فهو قماش أثقل من كثير من الأقمشة الأخرى، ولذلك يحتاج إلى دقة في القص، وإلى معرفة بطريقة سقوطه على الجسد، وإلى خبرة في التعامل مع حوافه وسماكته.
وتدخل في العمل أدوات بسيطة تساعد على التعامل مع القماش والخيط، منها شمع العسل، الذي يُستخدم لتسهيل مرور الخيط وتقويته في بعض أعمال الخياطة اليدوية. وتدل هذه الأداة على أن حرفة الجوخي، وإن ارتبطت ببيع القماش، لا تنفصل تماماً عن عالم الخياطة وأدواتها؛ فهي تتحرك داخل بيئة مهنية قريبة من الخياطين، حيث تتداخل معرفة القماش مع معرفة التفصيل والتشطيب.
تاريخياً، ارتبط الجوخ بازدهار الأقمشة الصوفية وبحاجة المجتمع إلى لباس شتوي متين. وفي السياق الدمشقي، كان وجوده في سوق الخياطين والأسواق التقليدية دليلاً على مكانته داخل اقتصاد اللباس. فالسوق لم يكن مجرد مكان للبيع، بل فضاءً مهنياً تتجاور فيه الحرف: بائع القماش، والخياط، والمطرّز، وصاحب الأدوات، والزبون الذي يأتي لاختيار ما يناسب حاجته ومكانته. ومن هنا يمكن فهم الجوخي كجزء من بنية السوق، لا كتاجر منفصل عن منظومة اللباس.
ومن الناحية الاجتماعية، حمل الجوخ دلالة على اللباس العملي والرصين في آن واحد. فالألوان الداكنة مثل الأسود والأزرق تصلح للملابس الأكثر وقاراً أو جدية، بينما تسمح الأنواع الملوّنة أو المنقوشة بمجال أوسع للزينة. وهذا يعني أن الجوخي كان يتعامل مع ذوق اجتماعي متنوع، لا مع مادة موحدة. فالزبون لا يطلب “جوخاً” فقط، بل يطلب نوعاً يناسب عمره، ومكانته، وفصل السنة، والغرض من اللباس.
وما تزال الحرفة موجودة اليوم بشكل محدود، وهو ما يعكس التحولات العامة في سوق اللباس. فقد انتشرت الأقمشة الحديثة والملابس الجاهزة، وتراجع الاعتماد على التفصيل التقليدي، كما خفّ الطلب على الأقمشة الثقيلة التي تحتاج إلى خياط متخصص. وبذلك لم يختفِ الجوخ بوصفه مادة تماماً، لكنه خرج من مركز الحياة اليومية إلى نطاق أضيق، يرتبط ببعض الاستخدامات الخاصة أو القطع الشتوية المحدودة.
وتتصل تحديات الحرفة بتغير الذوق والسوق معاً. فالناس لم يعودوا يعتمدون على الخياط كما في السابق، والأقمشة الصناعية أو المستوردة أصبحت أكثر حضوراً وسهولة في الشراء، كما أن الملابس الجاهزة قلّلت الحاجة إلى المرور بمراحل اختيار القماش والتفصيل والخياطة. وهنا تظهر مشكلة الحرفة: فالجوخي لا يتراجع بسبب ضعف القماش وحده، بل بسبب تغير النظام الكامل الذي كان يجعل شراء القماش وتفصيله ممارسة اجتماعية شائعة.
ومع ذلك، تبقى حرفة الجوخي مهمة في توثيق تاريخ اللباس والأسواق الدمشقية. فهي تكشف عن مرحلة كان فيها القماش يُختار بعناية قبل أن يُفصّل، وكان لكل نوع من الأقمشة تاجر أو سوق أو معرفة خاصة. فالجوخ ليس مجرد مادة صوفية، بل جزء من ذاكرة اللباس الشتوي، ومن علاقة الخياط بالزبون، ومن صورة السوق الذي كان يجمع القماش، والخيط، والمقص، والقياس، والذوق الاجتماعي.
إن حفظ حرفة الجوخي لا يعني حفظ اسم مهنة فقط، بل حفظ معرفة بالقماش وأنواعه ووظائفه داخل اللباس التقليدي. فهذه الحرفة تذكّر بأن صناعة الثوب لا تبدأ عند الخياط وحده، بل تبدأ من التاجر الذي يعرف القماش، ومن السوق الذي يوزّعه، ومن الزبون الذي يختاره بحسب حاجته ومقامه. بهذا المعنى، يصبح الجوخي شاهداً على تحوّل أوسع في ثقافة اللباس: من التفصيل القائم على اختيار المادة ومعرفة خصائصها، إلى اللباس الجاهز الذي اختصر هذه العلاقة الطويلة بين القماش والجسد والسوق.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 85.
الخولي، هانية، وفاطمة البرازي. «نموذج توثيق حرفة الجوخي». توثيق ميداني، دمشق، سوق الخياطين، 17 شباط/فبراير 2026. مقابلة مع السيد سعيد يعقوب آغا.