حرفة النويلاتي

توثيق: مروه فتوح، أسيل محمود
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

26/04/2026

تُعدّ حرفة النويلاتي من الحرف المركّبة التي تجمع بين صناعة الآلة ومعرفة النسيج. فهي لا تقف عند حدود النجارة، ولا تنتمي إلى النسيج وحده، بل تقع في المساحة التي تلتقي فيها المادة الخشبية بالخيط، والآلة باليد، والصانع بالحائك. ومن هنا تأتي أهميتها؛ فالنول ليس أداة مساعدة فقط، بل هو البنية التي تجعل الحياكة اليدوية ممكنة، وتحدد إيقاعها، ودقتها، ونوع القماش الذي يمكن أن ينتج عنها.

يعرف قاموس الصناعات الشامية النويلاتي بأنه من يصنع آلة النول، وهي آلة خشبية تُصنع من الخشب الصلب. ويذكر من أجزائها الخشبتين الطويلتين، والعارضة، وأكتاف النول، والنجة، والدعامة، والمطواية. وفي التداول الحرفي يظهر النويلاتي أيضاً بوصفه عامل نول أو صانع نول، لأن الكلمة لا تنفصل دائماً بين من يصنع الآلة ومن يعمل عليها. فصانع النول يحتاج إلى فهم حركة الخيوط، والحائك يحتاج إلى معرفة تركيب الآلة وصيانتها وتعديلها بحسب نوع القماش.

تبدأ الحرفة من اختيار الخشب المناسب. ويُفضّل في صناعة النول الخشب الصلب، مثل الجوز، والتوت، والزان، والسويد، وفي بعض الروايات اللوز أيضاً، لأن النول يحتاج إلى بنية قوية تتحمل شدّ خيوط السَّداه وحركة الدواسات والمشط والمكوك. فالخشب هنا لا يُختار لجماله فقط، بل لقدرته على الثبات، ومقاومة الالتواء، واحتمال الحركة اليومية المتكررة.

بعد اختيار الخشب، تبدأ مرحلة صناعة الهيكل. تُجهّز القطع الأساسية وتُثبت معاً لتكوين جسم النول: الخشبتان الطويلتان، أو ما يُعرف في بعض المصطلحات بـ الزرزير، والعارضة، والأكتاف، والدعائم، والمطواة. ويختلف عرض النول وارتفاعه بحسب نوع النسيج المراد إنتاجه؛ فالنول المعدّ للبسط أو المنسوجات العريضة لا يكون مماثلاً للنول المستخدم للأقمشة الدقيقة. وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين شكل الآلة ووظيفة القماش.

ثم تأتي مرحلة شدّ الخيوط الطولية، أي السَّداه، وهي الخيوط التي تكوّن البنية الأساسية للنسيج. تحتاج هذه المرحلة إلى دقة عالية في العدّ، والتوزيع، والتوتر، لأن أي خلل في ترتيب السَّداه ينعكس على انتظام القماش كله. وبعد ذلك تُدخل الخيوط العرضية، أي اللُّحمة، من خلال حركة المكوك، ثم تُستخدم الدفّة أو المشط لدقّ الخيوط وتثبيتها في مكانها.

وتقوم عملية النسج على إيقاع متكرر يجمع بين اليد والقدم والعين. يضغط الحرفي على الدواسات، فترتفع بعض خيوط السَّداه وتنخفض أخرى، ويمر المكوك حاملاً خيط اللحمة، ثم تأتي ضربة الدفّة لتثبيت الصف الجديد. ويتكرر هذا الإيقاع حتى يكتمل القماش، ثم يُفكّ عن النول، وتُقصّ الأطراف الزائدة، ويُنظّف ويُجهّز للبيع أو للاستعمال.

وتتعدد أجزاء النول ومصطلحاته بما يكشف عن لغة مهنية دقيقة. فهناك المكوك الذي يحمل ماسورة الخيط ويمر عرضياً بين خيوط السَّداه، والمشط أو الدفّة الذي يثبت اللحمة، والمطواة التي تُلف عليها الخيوط أو القماش المنسوج، والدرأ أو الدرق الذي يرفع خيوط السَّداه ويخفضها، والدواسات التي تتحكم بحركة الدرأ، والنير الذي تمر فيه الخيوط، والجيزر الذي يربط أجزاء النول. هذه الأسماء لا تصف أجزاء منفصلة فقط، بل تصف منظومة حركة كاملة لا يعمل عنصر فيها إلا بعلاقته بالعناصر الأخرى.

ارتبطت الحرفة بدمشق بوصفها واحدة من المدن التي عُرفت بصناعة النسيج اليدوي. وتركزت بعض الورش القديمة في أحياء مرتبطة بالنسيج، مثل ركن الدين وحارة النوالة، كما ارتبطت بعض مراحلها أو تجارتها بفضاءات لاحقة مثل التكية السليمانية والشعلان. وتظهر دمشق القديمة، ولا سيما باب شرقي، ضمن الذاكرة الحرفية المرتبطة بالنول والنسيج، حيث كانت الأحياء القديمة تحتفظ بصلات واضحة بين البيت والورشة والسوق.

ولم يكن النول دائماً آلة مفصولة عن البيت. فقد احتوت بعض البيوت على أنوال داخلية يعمل عليها أفراد الأسرة، وكانت الحرفة تؤمّن دخلاً ثابتاً لعائلات كثيرة. لذلك لم يكن صوت النول مجرد صوت عمل، بل كان جزءاً من المشهد اليومي في بعض الأحياء. كان صوت الدواسات والمكوك والدفّة علامة على الإنتاج، والاستقرار، وارتباط البيت بالحرفة.

وفي بعض المدن والمناطق ظهرت أشكال مختلفة من النول بحسب الحاجة والمكان. ففي حماة عُرف نول الحفرة، حيث يُحفر جزء من الأرض لوضع الدواسات، بما يستجيب لضيق الدكاكين القديمة ويساعد على تهيئة بيئة مناسبة لعمل الخيوط. وفي تدمر عُرف شكل من النول الثابت داخل البيت، بما يدل على قدرة الآلة على التكيف مع المسكن، والمساحة، ونوع العمل، وجسد العامل أو العاملة.

في الأقمشة المزخرفة مثل البروكار، تصبح العلاقة بين النول والمهارة أكثر تعقيداً. فالنقش لا ينتج من حركة ميكانيكية بسيطة، بل من ذاكرة اليد وحساب الخيوط والتقاطها في الوقت المناسب. لذلك لا تكفي الآلة وحدها مهما كانت دقيقة؛ فالحرفي هو من يقرأ الرسم داخل السَّداه واللحمة، ويحوّل الخيوط إلى سطح زخرفي متماسك.

ومع أن النويلاتي قد يُفهم بوصفه صانع النول، فإن الحرفة تتقاطع عملياً مع الحائك والنسّاج. فالصانع يعرف مواضع القوة والضعف في النول، والحائك يعرف صوت العطل وحاجة الآلة إلى الضبط. لذلك كان إصلاح النول وصيانته جزءاً مهماً من الحرفة، لأن توقف قطعة صغيرة قد يوقف العمل كله. ومن هنا يصبح النويلاتي حافظاً للآلة بقدر ما هو صانع لها.

تواجه الحرفة اليوم تراجعاً حاداً. فقد استُبدل النول اليدوي بآلات نسيج صناعية تعمل بالطاقة الكهربائية، وأصبح الإنتاج الآلي أسرع وأرخص وأكثر قدرة على تلبية السوق. كما أسهم ارتفاع تكلفة الإنتاج اليدوي وعزوف الأجيال الجديدة عن تعلم الحرفة في تراجعها. ولهذا انقرضت الحرفة عملياً في كثير من مواضعها التقليدية، ولم يعد حضورها إلا في بعض العروض التراثية أو المتاحف أو التجارب المحدودة.

ولا يعني هذا أن النسيج نفسه اختفى، بل إن المعرفة المرتبطة بالنول اليدوي هي التي تراجعت. فالقماش ما زال يُنتج، لكن الآلة تغيّرت، والإيقاع تغيّر، والعلاقة بين الجسد والخيط تغيّرت أيضاً. لم يعد الحائك يجلس بالضرورة خلف نول خشبي، ولم يعد صوت النول اليدوي يملأ البيوت والأحياء كما كان في السابق.

ومع ذلك، بقيت الحرفة قادرة على التكيّف في بعض المواضع. فقد دخلت تقنيات حديثة مثل الحفر بالليزر وآلات CNC في صناعة بعض قطع النول وقوالب النقش، كما ظهرت محاولات لابتكار أنوال متحركة تتجاوز مشكلة ضيق المكان. ودخلت بعض الخيوط الصناعية مثل الأكريليك إلى الإنتاج عندما ارتفعت أسعار الخيوط الطبيعية كالحرير وصوف العواس. هذه التحولات لا تلغي الطابع التقليدي للحرفة، لكنها تكشف محاولتها البقاء ضمن سوق متغير.

تُظهر حرفة النويلاتي أن بقاء النسيج اليدوي لا يعتمد على الحائك وحده، بل على صانع الآلة أيضاً. فالنول هو الذاكرة المادية للحرفة: خشب، ومفاصل، ومطاوٍ، ودواسات، ومكوك، ومشط. لكنه في الوقت نفسه ذاكرة صوت وحركة ومعرفة. لذلك فإن توثيق النويلاتي لا يعني توثيق أداة خشبية فقط، بل توثيق نظام إنتاج كامل، يبدأ من اختيار الخشب وينتهي بالقماش، ويمر عبر حساب الخيوط، وحركة القدم، ودقة اليد، وصوت الآلة الذي كان يوماً جزءاً من الحياة اليومية في المدن والبيوت السورية.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 491.
فتوح، مروه. «نموذج توثيق حرفة النويلاتي». توثيق ميداني، دمشق، ركن الدين/حارة النوالة، والتكية السليمانية سابقاً/الشعلان حالياً، 25 شباط/فبراير 2026. شهادة آل ديركي وماهر ديركي.
محمود، أسيل. «نموذج توثيق حرفة النويلاتي». توثيق ميداني/بحثي، دمشق، باب شرقي، 21 شباط/فبراير 2026.