حرفة الحصري

توثيق: فاطمة برازي، يزن النوري
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

27/04/2026

تُعدّ حرفة الحصري من الحرف التي ترتبط بالحياة اليومية والبيت الشعبي أكثر من ارتباطها بالزينة أو الترف. فهي تصنع الحصير الذي كان يُفرش في البيوت، والمحلات، والأفنية، وبعض أماكن الجلوس، ليؤدي وظيفة عملية مباشرة: الجلوس، والفرش، وتغطية الأرض، وتنظيم مساحة المعيشة. ومن هنا تأتي أهمية هذه الحرفة؛ فهي لا تنتج قطعة نادرة أو احتفالية، بل تصنع شيئاً كان جزءاً من تفاصيل الحياة العادية، قبل أن تتراجع الحاجة إليه مع تبدّل أنماط السكن والفرش.

يعرف قاموس الصناعات الشامية الحصري بأنه من يصنع الحصر التي تُفرش في المحلات والبيوت للجلوس عليها. ويذكر أن الحصر تختلف في الجودة والخشونة بحسب رغبة المشتري، وأن منها أنواعاً أرخص وأخرى أجود، كما يشير إلى نوع نفيس كان يصنع في بعض قرى الشام مثل بلودان، يمتاز بالنقوش الجميلة والحياكة الجيدة، وإلى نوع آخر غليظ يُعرف بالحصر الداجية. هذا التنوّع يكشف أن الحصير لم يكن منتجاً واحداً ثابتاً، بل كان يتدرج بين الحصير اليومي البسيط والحصير الأكثر عناية في النقش والحياكة.

تقوم الحرفة على مادة طبيعية أساسية هي القصب، إلى جانب الخيوط التي تُستخدم في ربط القصب وشدّه ضمن بنية متماسكة. ولهذا ترتبط الحرفة بالبيئات التي يتوفر فيها القصب، وبمعرفة دقيقة بكيفية اختياره، وتجهيزه، وترتيبه، وإدخاله ضمن النسيج. فالقصب لا يدخل إلى الحصير كما هو، بل يحتاج إلى قصّ، وتجفيف، وتسوية، ثم إدخال ضمن نظام من الخيوط المشدودة.

تبدأ صناعة الحصير بتجهيز القصب بحسب الطول والمقاس المطلوب، ثم تهيئة الخيوط التي ستكوّن البنية الحاملة للحصيرة. ويصف قاموس الصناعات الشامية طريقة العمل بأنها تقوم على مدّ خيوط من جنس الحبال، تُعرف باسم الحصيص، بين خشبتين، بحيث تكون الخيوط متساوية ومشدودة بقوة. ثم تُدخل عيدان القصب بين هذه الخيوط بطريقة محكمة، على مقدار عرض الحصيرة، وتُدقّ بعد ذلك بأداة تشبه مشط الحياكة حتى تتماسك. وتتكرر العملية حتى يكتمل طول الحصيرة المطلوب.

تكشف هذه الطريقة أن الحصري يعمل بطريقة قريبة من منطق النسيج، وإن كانت مادته ليست خيطاً ليناً بل قصباً أكثر صلابة. فهناك خيوط مشدودة تشبه السدى، وهناك قصب يدخل بينها ويكوّن جسم الحصيرة، وهناك ضرب أو ضغط لتثبيت كل صف قبل الانتقال إلى الصف التالي. لذلك يمكن فهم الحصير بوصفه نسيجاً نباتياً، يقوم على شدّ الخيوط وإدخال القصب بالتتابع حتى تتكوّن المساحة النهائية.

وتعتمد الحرفة على أدوات بسيطة لكنها أساسية، منها النول الذي تُشد عليه الخيوط، والمكوك أو الأداة التي تساعد على تمرير الخيوط، ومشط الحياكة أو أداة الدفع والطرق التي تُستخدم لتثبيت القصب وتقريب صفوفه. كما تحتاج الحرفة إلى أدوات قصّ وتشذيب لضبط أطوال القصب وإنهاء أطراف الحصير. هذه الأدوات لا تبدو معقدة، لكنها تحتاج إلى يد خبيرة تعرف مقدار الشدّ والضغط، لأن الحصير إذا لم يُشد جيداً تفكك سريعاً، وإذا شُدّ أكثر من اللازم فقد مرونته.

ومن الناحية التقنية، لا تقوم جودة الحصير على المادة فقط، بل على انتظام العمل. فاستقامة القصب، وتساوي الخيوط، وشدة الربط، ودقة الأطراف، كلها تحدد جودة القطعة النهائية. ولهذا تختلف الحصر بين نوع خشن للاستخدام العملي اليومي، ونوع أدقّ قد يحمل نقوشاً أو حياكة أجمل. ويظهر هنا البعد الجمالي داخل حرفة تبدو في ظاهرها نفعية؛ فحتى الحصير، بوصفه فرشاً يومياً، كان يمكن أن يحمل ذوقاً في الترتيب والنقش والإتقان.

ارتبطت الحرفة بالبيوت والأسواق معاً. ففي البيت، كان الحصير جزءاً من الفرش اليومي، يُستخدم للجلوس أو تغطية الأرض، ولا سيما في البيوت التي تعتمد على الفرش الأرضي. وفي السوق، كان الحصري يلبّي طلب الزبائن بحسب المقاس والجودة المطلوبة، فيقصّ الخيوط ويربط أطراف الحصيرة بعد اكتمالها، ثم تُلفّ وتُرسل إلى المشتري. وهذا يدل على أن الحرفة كانت تستجيب لحاجة مباشرة ومحددة، إذ يمكن تفصيل الحصير بحسب مساحة المكان والغرض من استعماله.

كما تكشف الحرفة عن علاقة وثيقة بين الريف والمدينة. فالقصب مادة قادمة من بيئات طبيعية محددة، بينما يُباع الحصير ويُستخدم في الأسواق والبيوت والحوانيت. وقد عُرفت أنواع تصنع في قرى الشام وتباع في دمشق، ومنها أنواع نفيسة وأخرى غليظة يستخدمها بعض الفلاحين أو أصحاب القهاوي في أغراض عملية. وهنا يظهر الحصير كمنتج يعبر بين القرية والمدينة، وبين المادة النباتية والاستخدام الحضري.

في وضعها الحالي، ما تزال الحرفة موجودة بشكل محدود جداً. وقد ارتبط توثيقها المعاصر بسوق الحرف الشعبية في خان رستم باشا في حماة، حيث بقيت ممارستها محصورة بعدد قليل من الحرفيين. وهذا التراجع يعكس تحوّلاً كبيراً في أنماط الحياة؛ فالحصير لم يعد جزءاً أساسياً من فرش البيوت كما كان سابقاً، بعد انتشار السجاد الصناعي، والموكيت، والأثاث الحديث، ومواد الفرش الجاهزة.

وتواجه الحرفة تحديات متعددة، منها قلة الطلب، وصعوبة تأمين القصب أو ارتفاع كلفته، وضعف إقبال الجيل الجديد على تعلّمها. كما أن الحرفة تحتاج إلى وقت وصبر، بينما لم يعد السوق يمنحها القيمة الاقتصادية التي كانت تمتلكها سابقاً. لذلك لا يكون الخطر في اختفاء الحصير بوصفه منتجاً فقط، بل في ضياع المعرفة المرتبطة باختيار القصب، وشدّ الخيوط، وضبط النول، وإنجاز القطعة بطريقة متماسكة.

ومع ذلك، تظل حرفة الحصري مهمة لأنها تكشف جانباً من ثقافة السكن والفرش في سوريا. فالحصير لم يكن مجرد بديل رخيص عن السجاد، بل كان مادة ملائمة للمناخ، سهلة الحمل، قابلة للطي، ومناسبة لفضاءات البيت التقليدي والحوانيت. كما أنه يحفظ علاقة قديمة بين الإنسان والمواد النباتية المحيطة به، حين كانت الأشياء اليومية تُصنع من مواد محلية قابلة للتجديد.

تُظهر حرفة الحصري أن التراث لا يقتصر على الفنون الفاخرة أو الأقمشة الثمينة، بل يشمل أيضاً الأشياء البسيطة التي شكّلت الحياة اليومية. فمن القصب والخيط والنول، تتكوّن حصيرة تحمل ذاكرة الجلوس، والبيت، والسوق، والعمل اليدوي. وحفظ هذه الحرفة يعني حفظ طريقة كاملة في التعامل مع المادة الطبيعية، وتحويلها إلى فرش نافع وجميل في آن واحد.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 98–99.
برازي، فاطمة، ويزن النوري. «نموذج توثيق حرفة الحصري». توثيق ميداني، حماة، سوق الحرف الشعبية، خان رستم باشا، 2026. مقابلة مع الحرفي عبد الكريم عكاش.