توثيق: فاطمة البرازي، أسيل محمود
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة الرَّتّا، أو رتي الملابس والسجاد، من الحرف الدقيقة المرتبطة بعالم المنسوجات واللباس والقطع الثمينة. وهي لا تقوم على صناعة قطعة جديدة، بل على إصلاح قطعة متضررة وإعادتها إلى حالة قريبة من أصلها، بحيث يختفي العيب أو يكاد لا يُرى. لذلك تُعرف أيضاً بوصفها نوعاً من الترقيع الفني الخفي، لأنها لا تكتفي بإغلاق الثقب أو الحرق أو التمزق، بل تعيد نسج موضع الضرر بخيوط من جنس القماش نفسه، مع مراعاة اتجاه السدى واللحمة وتطابق اللون والملمس.
يذكر قاموس الصناعات الشامية هذه الحرفة باسم رتّا، ويشير إلى أن الصواب اللغوي هو رفّاء بالفاء، أي الذي يخيط شقوق الأثواب المهترئة. غير أن الاسم المتداول في البيئة الحرفية بقي مرتبطاً بالرتق والترميم، وبالمهارة العملية التي تمكّن الحرفي من إصلاح النسيج دون تغيير مظهره الأصلي. وهذا الفرق بين الاسم اللغوي والتداول الشعبي يكشف كيف تحفظ الحرف أسماءها في السوق والذاكرة، حتى حين تختلف عن الصيغة الفصيحة.
تختلف الرتّا عن الخياطة العادية اختلافاً جوهرياً. فالخياطة قد تضيف رقعة أو درزة ظاهرة، أما الرتّا فيسعى إلى إخفاء التدخل قدر الإمكان. وإذا تمزّق ثوب، أو احترق طرف قماش، أو تضرر شال، أو ظهرت فتحة في سجادة، لا يضيف الحرفي خيطاً غريباً كيفما اتفق، بل يبحث عن خيط مطابق للأصل في اللون والسماكة والملمس. وقد يسحب الخيط من طرف غير ظاهر في القطعة نفسها، أو يستخدم قماشاً مشابهاً عند الضرورة، ثم يعيد إدخاله في موضع الضرر بحيث يندمج مع النسيج الأصلي.
تُستخدم هذه الحرفة في إصلاح مواد متعددة: الملابس، والسجاد، والجوخ، والكتان، والجلد، والحرير، وحتى النايلون. وهذا الاتساع مهم لأنه يبيّن أن الرتّا ليس مرتبطاً بقماش واحد، بل بطريقة نظر إلى المادة المتضررة. فكل خامة لها سلوك خاص: الحرير يحتاج إلى عناية شديدة بسبب رقة خيطه ولمعانه، والكتان يختلف في نسجه عن الجوخ، والجلد يحتاج إلى معالجة مختلفة، أما السجاد فيتطلب فهماً لبنية العقد والسدى واللحمة.
تبدأ مراحل العمل بفحص القطعة وتحديد نوع القماش وحجم الضرر. ينظر الحرفي أولاً إلى موضع الحرق أو الثقب أو التمزق، ثم يحدد اتجاه السدى واللحمة، لأن إدخال الخيط في الاتجاه الخاطئ يجعل الترميم ظاهراً أو مشوهاً. بعد ذلك يختار الإبرة المناسبة بحسب سماكة القماش، ثم تبدأ مرحلة التنسيب، أي سحب خيوط من نفس النسيج لإعادة نسجها في موضع العيب.
بعد تجهيز الخيط، يبدأ الحرفي بإدخال الخيوط طولياً ثم عرضياً، بما يحاكي بنية القماش الأصلية. وإذا كانت القطعة ملوّنة أو متعددة الألوان، تصبح مطابقة اللون مرحلة أساسية لا تقل أهمية عن الخياطة نفسها. ثم تُثبت الخيوط وتُربط داخلياً، وتُقص الزوائد، ويُسوّى السطح، قبل الفحص النهائي للتأكد من أن العيب اختفى أو صار أقل ظهوراً. هذه المراحل تكشف أن الرتّا ليس مجرد “خياطة دقيقة”، بل إعادة بناء مصغّرة للنسيج.
وتعتمد الحرفة على أدوات قليلة لكنها دقيقة، منها الإبرة الرفيعة التي تناسب سماكة خيط القماش، والملقط أو أداة التنسيل التي تُستخدم لسحب الخيوط من النسيج نفسه، والمقص الصغير الدقيق لقص الزوائد وتسوية مكان الرتي. وقد تُستخدم أيضاً أدوات مساعدة بحسب نوع القطعة، لكن جوهر العمل يبقى قائماً على العين واليد والصبر.
تحتاج الرتّا إلى صبر شديد وتأمل طويل. فالقطعة المتضررة لا تُعالج بسرعة، بل تُقرأ أولاً: نوع الخيط، طريقة النسج، جهة الشد، اختلاف اللون، مقدار التلف، وإمكان إخفائه. ولهذا يمكن أن تستغرق القطعة من ساعتين إلى عدة ساعات، بحسب حجم الضرر ونوعية النسيج. وتزداد الصعوبة كلما كان القماش رفيع الخيط أو متعدد الألوان، ويُعد الحرير من أصعب المواد في الإصلاح، بينما يكون الجلد والسجاد أسهل نسبياً من حيث وضوح البنية وإمكان التدخل.
تاريخياً، ارتبطت الرتّا بأسواق دمشق القديمة، ولا سيما الأسواق التي تضم الحرف اليدوية ومحلات الأقمشة والملابس، مثل الحميدية، ومدحت باشا، وسوق الخجا، وسوق الحرف اليدوية. وكانت هذه الحرفة تلبي حاجة الناس إلى الحفاظ على ملابسهم وقطعهم الثمينة، خصوصاً في الأزمنة التي كانت فيها القطعة تُصلح وتُحفظ وتُورّث، لا تُستبدل سريعاً كما يحدث اليوم.
وتحمل الحرفة في الذاكرة الشعبية حكايات عن مهارة الأسطوات. من هذه الحكايات أن طرف ثوب أحد سلاطين الدولة العثمانية احترق خلال زيارته إلى دمشق، فاستدعى الوالي أحد الأسطوات، فأعاد الثوب كما كان خلال ليلة واحدة من دون أن يُكتشف موضع العيب. وتُروى أيضاً صلة رمزية بين الحرفة والنبي إدريس، بوصفه أول من خاط الثياب في الروايات التراثية. هذه الروايات، وإن كانت تنتمي إلى الذاكرة الشفوية، تكشف المكانة التي مُنحت للحرفة بوصفها دليلاً على البراعة والصبر وإخفاء الأثر.
اجتماعياً، تكشف الرتّا عن علاقة مختلفة بالثياب والأشياء. فالقطعة المتضررة لا تُرمى مباشرة، بل تُمنح فرصة حياة ثانية. وهذا يجعل الحرفة مرتبطة بثقافة الإصلاح لا الاستبدال، وباحترام المادة الأصلية لا إلغائها. وقد كان هذا مهماً في حالات الأقمشة الثمينة، والشالات، والسجاد، والقطع التراثية، والملابس ذات القيمة العائلية أو المادية.
ومع أن الرتّا تقترب من الخياطة في أدواتها، فإنها أقرب إلى الترميم في فلسفتها. فالخياط قد يغيّر القصّة أو يضيف قماشاً أو يصنع قطعة جديدة، أما الرتّا فيحاول ألا يضيف شيئاً ظاهراً. مهمته أن يعيد وصل ما انقطع، وأن يحافظ على ما هو موجود، وأن يترك القطعة كما كانت قدر الإمكان. ولهذا تنجح الحرفة حين لا تظهر، وتبلغ أعلى درجاتها حين يعجز الناظر عن تحديد مكان الإصلاح.
شهدت الحرفة تغيراً في بعض تقنياتها. فقد كان يُلجأ سابقاً أحياناً إلى تلزيق بعض الأقمشة، مثل النايلون أو الحرير، أما اليوم فصار الإصلاح يميل إلى الرتي بالخيوط الدقيقة دون لزق، كلما أمكن ذلك. وهذا التحول مهم لأنه يجعل العمل أقرب إلى إعادة النسج منه إلى الترقيع، ويمنح القطعة نتيجة أنظف وأكثر احتراماً للمادة الأصلية.
وما تزال الحرفة موجودة اليوم بشكل محدود جداً في بعض الورش الصغيرة في أسواق دمشق القديمة. ويتناقلها بعض الحرفيين بالوراثة العائلية أو التلمذة، لكنها لم تعد واسعة الانتشار. فعدد من يتقنونها قليل جداً، ومعظم من يمارسونها يعتمدون على خبرة طويلة تراكمت عبر سنوات من العمل والتجربة، لا على تعليم سريع أو تدريب قصير.
وتواجه الرتّا تحديات متعددة، منها قلة العائد المادي مقارنة بالجهد الكبير المطلوب، والأضرار الصحية الناتجة عن العمل الطويل والدقيق، مثل ضعف البصر وآلام الظهر والكتف، إضافة إلى عزوف الأبناء عن تعلمها. كما أسهم انتشار الألبسة الجاهزة الرخيصة في تراجع الحاجة إلى إصلاح الملابس اليومية، فصار الناس يستبدلون القطعة بدلاً من إصلاحها، إلا إذا كانت ثمينة أو ذات قيمة خاصة.
ومع ذلك، تبقى الرتّا حرفة ضرورية في حفظ التراث النسيجي. فهي لا تحافظ على القطعة فقط، بل تحافظ على قيمتها، واستعمالها، وذاكرتها. فالرتق الجيد يمنع التلف الصغير من التحول إلى ضياع كامل، ويعيد للثوب أو السجادة أو الشال إمكان الاستمرار. ومن هنا يمكن النظر إلى الرتّا بوصفها حرفة مقاومة للهدر والنسيان معاً.
إن حفظ هذه الحرفة لا يعني توثيق أدواتها البسيطة فحسب، بل توثيق طريقة النظر إلى النسيج نفسه: كيف يُقرأ اتجاه الخيط، وكيف تُختار الإبرة، وكيف يُسحب خيط من القطعة، وكيف تُعاد اللحمة والسدى إلى موضعهما. فالرتّا من أكثر الحرف هدوءاً ودقة، لأنها تعمل على إعادة الأشياء إلى حالتها دون ضجيج، وتترك أجمل أثر لها حين لا يُرى أثرها.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 153.
البرازي، فاطمة. «توثيق مهنة رتّا». توثيق ميداني، دمشق، سوق الحرف اليدوية، 9 كانون الثاني/يناير 2026. مقابلة مع يوسف كربوج.
محمود، أسيل. «نموذج توثيق حرفة الرَّتا». توثيق ميداني/بحثي، دمشق، الحميدية ومدحت باشا وسوق الخجا، 22 شباط/فبراير 2026.