توثيق: هانيا الخولي، ياسمين زريق
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة القلبقجي من الحرف المرتبطة بتاريخ اللباس التقليدي في دمشق، ولا سيما أغطية الرأس التي حملت دلالات اجتماعية وعسكرية ومهنية في العهد العثماني وما بعده. والقلبقجي هو الحرفي المتخصص بصناعة القلبق أو القلابق، وهي أغطية رأس كانت تُلبس في بلاد الشام، وارتبطت في بعض مراحلها بالجنود، والحراس، وبعض رجال الدولة، ثم تحوّلت لاحقاً إلى قطعة تراثية أو رمزية أكثر من كونها لباساً يومياً.
يعرّف قاموس الصناعات الشامية القلبقجي بأنه صانع القلابق. ويصف القلبق بأنه كان قديماً قريباً في طوله من لبادة المولوية، لكنه أسود اللون، وكان يُصنع أو يُكسى بجلد الجدي أو الخروف الصغير. كما يذكر أن بعض كبار السن وصفوه بأنه كان بطول «كلبية اللبن» المعروفة في الشام، من دون عمامة فوقه، وأنه كان يُلبس من قبل جنود الحكومة. ويشير أيضاً إلى أن القلبق عاد في زمن لاحق بهيئة ألطف، قريبة من الطربوش، مغطاة بجلد خروف أسود، وقد وُضعت في أعلاها أحياناً أعلام من قصب أو سيم.
تدل هذه الأوصاف على أن القلبق لم يكن مجرد قبعة عادية، بل قطعة لباس ذات شكل محدد ومكانة بصرية واضحة. فهو يجمع بين هيئة رأس مرتفعة، ولون أسود، ومادة جلدية أو لبادية، وارتباط بالزي العسكري أو الرسمي. ومن هنا اكتسب القلبقجي موقعاً خاصاً بين حرف اللباس، لأنه لا يصنع قطعة قماشية عامة، بل غطاء رأس يحمل معنى اجتماعياً واضحاً.
تبدأ صناعة القلبق من اختيار المادة المناسبة. وتشمل المواد الأساسية الجوخ، واللباد أو الصوف المضغوط، والقطن للحشو الداخلي، وخيوطاً حريرية أو قطنية للتثبيت، وقد يُضاف أحياناً جلد رقيق للتبطين أو التكسية. وتُظهر هذه المواد أن القلبق يجمع بين النسيج واللباد والجلد، أي بين مواد لينة نسبياً لكنها تحتاج إلى تشكيل وضغط وتثبيت حتى تحافظ على هيئة الرأس.
وتقوم مراحل العمل على إعداد الصوف أو اللباد أولاً، بتنظيفه وتمشيطه ومعالجته بالماء الساخن والصابون للوصول إلى مادة متماسكة. بعد ذلك يُقصّ اللباد بالحجم المطلوب، ويُجهّز القالب الخشبي بحسب قياس الرأس والشكل المراد، ثم يُشدّ اللباد فوق القالب ويُثبت عليه. وتأتي بعد ذلك مرحلة التجفيف والتثبيت الحراري، ثم التشذيب وقص الزوائد، وإضافة البطانة الداخلية، قبل إنهاء القطعة بالتنعيم والتلميع والقياس.
ويكشف الاعتماد على القالب الخشبي عن أهمية القياس والشكل في هذه الحرفة. فالقالب هو الذي يعطي القلبق هيئته النهائية: قد يكون مرتفعاً، أو أسطوانياً، أو أقرب إلى الطربوش، أو ذا هيئة عسكرية. ولذلك لا يستطيع القلبقجي أن يعمل بالمادة وحدها؛ بل يحتاج إلى معرفة دقيقة بالرأس، والقياس، وشدّ اللباد، وطريقة تثبيت الشكل حتى لا ينهار أو يتشوّه بعد الاستعمال.
أما الأدوات، فتشمل القوالب الخشبية، ومقصات الخياطة الكبيرة، والإبر اليدوية، ومكبساً يدوياً بسيطاً لتثبيت الشكل، ومكواة فحم قديمة لتنعيم القماش أو اللباد. هذه الأدوات تضع الحرفة في منطقة مشتركة بين الخياطة، والتلبيد، وصناعة أغطية الرأس. فهي ليست خياطة محضة، لأن القالب والضغط والحرارة عناصر أساسية فيها؛ وليست دباغة أو صناعة جلدية خالصة، لأن اللباد والجوخ والحشو والخيط تدخل جميعها في بناء القطعة.
ارتبطت الحرفة بسوق خاص في دمشق عُرف باسم سوق القلبقجية. ويقع هذا السوق بين جادة سوق الحرير وسوق الخياطين، وكان في العهد العثماني قريباً من خان الجمرك وخان الزعفرنجية، وشمال المدرسة المجاهدية. وهو سوق قصير وضيق، من أصغر الأسواق التجارية في دمشق وأقصرها، لا يتجاوز طوله نحو خمسة وسبعين متراً، ويتفرع عن محيط الأسواق الكبرى، قريباً من عقدة تجارية تصل إلى الحميدية، ومدحت باشا، والبزورية، والحريقة.
وجود سوق يحمل اسم القلبقجية يدل على أن هذه الحرفة لم تكن فردية أو عابرة، بل كانت لها مساحة مهنية وتجارية واضحة داخل المدينة. فالسوق المتخصص يعني وجود طلب، ووجود حرفيين أو بائعين، ووجود زبائن يعرفون نوع القطعة ووظيفتها. كما يكشف عن تنظيم الأسواق الدمشقية القديمة بحسب الاختصاص: سوق للخياطين، وسوق للحرير، وسوق للقلبقجية، بما يعكس العلاقة الوثيقة بين الحرفة والمكان.
ومن الناحية التاريخية، ارتبط القلبق بالعهد العثماني وباللباس العسكري أو الرسمي، كما ارتبط في بعض الروايات بالطريقة المولوية والجيش الانكشاري. وتذكر الذاكرة الحرفية أن كلمة «قلبق» ذات أصل تركي أو تركي-قرغيزي، وأنها انتقلت إلى بلاد الشام في سياقات عثمانية. وهذا الارتباط اللغوي والمادي يوضح أن الحرفة ليست محلية مغلقة، بل جزء من حركة أوسع للزي والاصطلاح والسلطة في المشرق العثماني.
وقد كان القلبق في بعض مراحله جزءاً من الهيئة الرسمية أو العسكرية، ثم صار يُلبس أيضاً في البيوت أو عند النوم أو عند العودة من العمل، بحسب ما يورده القاموس عن استعمال بعض الرجال للقلابق في بيوتهم. وتعددت أنواعه؛ فمنه ما كان من الحرير، ومنه المطرز، ومنه المجلوب من البلاد الأجنبية، وهي أنواع وُصفت بأنها أخف على الرأس من اللبدة. وهذا التنوع يدل على أن القلبق انتقل من غطاء رأس ذي طابع رسمي إلى قطعة يمكن أن تتغير بحسب الراحة، والمقام، والذوق، والقدرة المادية.
تُظهر الحرفة أيضاً علاقة أغطية الرأس بالهوية الاجتماعية. فغطاء الرأس في المدينة العثمانية لم يكن تفصيلاً بسيطاً، بل كان يميّز بين فئات ومهن ومقامات وأحياناً جماعات. لذلك كان تغيّر شكل القلبق أو تحوّله من لباس عسكري إلى استعمال منزلي أو تراثي يعكس تحولاً أوسع في دلالات اللباس. فالقطعة نفسها قد تحمل معنى السلطة في زمن، ومعنى الراحة أو العادة في زمن آخر، ثم تصبح لاحقاً رمزاً تراثياً أو فولكلورياً.
أما اليوم، فقد فقد سوق القلبقجية اختصاصه القديم ببيع القلابق، وتحول إلى سوق للأقمشة والألبسة والعطورات وتجهيزات العرائس والقطنيات المحلية والمستوردة، وفيه محلات لوازم الخياطة والكلف. ويُعرف عند بعض الناس بوصفه سوقاً يلبي حاجات النساء، حتى يطلق عليه أحياناً اسم «سوق النسوان». وهذا التحول مهم، لأنه يكشف أن اسم السوق بقي شاهداً على حرفة اختفت تقريباً، بينما تغيّرت البضائع والوظائف التجارية التي يحملها المكان.
اندثرت حرفة القلبقجي تقريباً بسبب تغير أنماط اللباس، وخروج القلبق من الحياة اليومية. فلم يعد غطاء الرأس هذا جزءاً من الزي الرجالي المعتاد، كما أن القبعات الحديثة والطربوش سابقاً ثم اللباس المعاصر حلّت محل كثير من أغطية الرأس التقليدية. وقد يُصنع القلبق اليوم لأغراض تراثية أو مسرحية أو فولكلورية، ولا سيما في سياقات مرتبطة بالتراث الشركسي أو بالعروض الفنية، لكنه لم يعد حرفة سوقية مستمرة كما كان.
ومع ذلك، تبقى حرفة القلبقجي مهمة لأنها تكشف جانباً من تاريخ اللباس الدمشقي وعلاقة المدينة بالعهد العثماني. فالقلبق ليس مجرد غطاء رأس، بل قطعة تجمع بين المادة، والسلطة، والسوق، والهوية، والشكل. كما أن سوق القلبقجية نفسه يختصر قصة تحوّل المكان: من سوق متخصص بحرفة محددة إلى سوق متعدد البضائع، يحمل اسماً قديماً لذاكرة مهنة لم تعد حاضرة إلا في الرواية والصورة والاحتفال.
إن توثيق حرفة القلبقجي يعني حفظ معرفة تتصل بطريقة صناعة غطاء الرأس، وموادّه، وقوالبه، واستعمالاته، كما يعني حفظ اسم سوق دمشقي قديم كان شاهداً على تنظيم مهني واجتماعي دقيق. فالحرفة، وإن اندثرت عملياً، ما تزال تضيء جانباً من تاريخ الزي، ومن علاقة اللباس بالمكان، ومن قدرة الأسواق القديمة على حفظ أسماء الحرف حتى بعد غيابها.
المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 379–380.
الخولي، هانيا، وياسمين زريق. «نموذج توثيق حرفة قلبقجي». توثيق ميداني/بحثي، دمشق، سوق القلبقجية، 1 شباط/فبراير 2026.