توثيق: خوله محوك
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
تُعدّ حرفة رَتِي السجاد من الحرف الدقيقة المرتبطة بعالم المنسوجات، لكنها لا تقوم على إنتاج سجادة جديدة، بل على ترميم سجادة قديمة وإعادة وصل ما تضرّر من بنيتها. فهي حرفة إصلاح وصيانة، تتعامل مع السجاد والبُسط والقطع المنسوجة بوصفها أشياء قابلة للحياة مرة أخرى، لا بوصفها مواد تالفة تُستبدل بسهولة. ومن هنا تظهر أهميتها؛ فهي تحفظ السجادة من الضياع، وتحافظ في الوقت نفسه على قيمتها الجمالية والمادية والذاكرية.
تقوم الحرفة على معالجة تلفيات متعددة، منها تضرر السدى، أو أثر العثّ، أو حبس اللحمة، أو تنسيل الغرزات. وهي لا تختص بنوع واحد من السجاد، بل تشمل أنواعاً متعددة مثل السجاد العجمي، والتركي، والصيني، والأفغاني، والهندي، والباكستاني. كما تمتد الخبرة إلى ترميم السجاد الحريري والقطع القديمة الدقيقة، ومنها الأوبيسون، وهو منسوج فرنسي قديم من الحرير. لذلك لا يعمل الرتّي على سطح السجادة فقط، بل على بنيتها الداخلية: الخيط، والعقدة، والسدى، واللحمة، وظهر السجادة ووجهها.
تبدأ الحرفة من قراءة السجادة. ينظر الحرفي إلى موضع الضرر، ويحدد نوع الخيوط، واتجاه السدى، وطريقة بناء الغرز، والفرق بين القديم والجديد. فكل سجادة لها نظامها الخاص، ولا يمكن ترميمها بطريقة واحدة. لذلك يحتاج الرتّي إلى معرفة دقيقة بأنواع السجاد ومصادره وأساليب نسجه، لأن السجاد العجمي لا يعامل بالضرورة مثل التركي أو الأفغاني، والسجاد الصوفي يختلف عن الحريري في حساسية الخيط وطريقة الشدّ.
وتعتمد الحرفة على مواد وأدوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تتطلب خبرة عالية في الاستخدام. من المواد الأساسية خيوط السدى، وقد تكون من الصوف أو القطن أو الحرير، بحسب نوع السجادة الأصلية. أما الأدوات فتشمل الإبرة، والكشتبان، والخيوط، والمقص، وأداة تُعرف باسم الدَّفْن، وهي مشط حرير يُستخدم لرصّ الغرز وتثبيتها. هذه الأدوات لا تعمل وحدها؛ فاليد الخبيرة هي التي تحدد مقدار الشد، وكثافة الغرز، وطريقة ملء الفراغ من دون أن يظهر الترميم نافراً عن أصل السجادة.
تمر عملية الرتي بمراحل متتابعة تبدأ بإعادة بناء البنية الداخلية للسجادة. تأتي أولاً مرحلة التعامل مع السدى، ثم العمل على الكليم أو الحدف الأفقي والعمودي، ثم اللحمة العكسية، وبعدها مرحلة التعبئة أو الطعن. وتتكرر هذه العملية حتى يكتمل موضع الترميم، ثم تأتي مرحلة الحدف النهائي لإنهاء العمل وربطه ببنية السجادة الأصلية. ولا ينتهي الترميم عند الوجه الظاهر فقط، بل يحتاج أحياناً إلى سوماق لتصحيح قفا السجادة، ثم تعتيق، أي معالجة اللون أو حرق السجاد بطريقة مدروسة لتوحيد الفرق بين القديم والجديد.
تُظهر هذه المراحل أن رتي السجاد ليس خياطة سطحية، بل إعادة بناء. فالحرفي لا يغلق ثقباً فقط، بل يعيد للسجادة نظامها: سدى، ولحمة، وغرزة، وقفا، ولون. وكل خطأ في الترميم قد يظهر مباشرة في الوجه، أو يضعف السجادة من الخلف، أو يجعل الجزء المرمم أكثر حداثة من بقية القطعة. لذلك تقوم الحرفة على مبدأين متلازمين: المتانة من جهة، وعدم ظهور التدخل من جهة أخرى.
وترتبط حرفة السجاد والبُسط في حلب ببيئتها المحلية وبموقعها التجاري والحضاري. فالمواد والألوان والزخارف تعكس طبيعة المكان ومناخه وأنماط العيش فيه. والسجاد يعبّر عن الاستقرار والذوق الحضري داخل البيت، بينما تمثل البُسط صلة أوضح بحياة البادية والتنقل. وفي البيت الحلبي، لم تكن السجادة مجرد فرش، بل عنصراً وظيفياً وجمالياً يحدد الفضاء الداخلي، ويمنحه دفئاً ووقاراً وخصوصية.
كما ساعد موقع حلب على طريق الحرير في ازدهار حرفة السجاد والبُسط، إذ جعل المدينة نقطة اتصال بين مواد وأسواق وأساليب مختلفة. ومن هنا لا يمكن فهم رتي السجاد بوصفه إصلاحاً محلياً محدوداً فقط، بل بوصفه امتداداً لعالم طويل من صناعة السجاد وتداوله وحفظه. فكل سجادة تحمل في بنيتها أثراً لمكان وزمن ومهارة، والرتّي يحاول أن يحافظ على هذا الأثر بدل أن يستبدله.
وتحمل الحرفة بعداً عائلياً واضحاً. فقد تطورت في بعض العائلات من تنظيف السجاد إلى رتّيه، ثم انتقلت عبر الأجيال؛ من الجد، إلى الأب، إلى الأبناء، وصولاً إلى الجيل الثالث. وهذا التسلسل يكشف أن الرتي لا يُكتسب بسرعة، بل يحتاج إلى سنوات طويلة من المراقبة والتجربة والصبر. فالحرفة ليست حكراً على عائلة أو شخص، لكنها لا تستمر إلا عند من يملك القدرة على التعلّم الطويل والمواظبة.
وما تزال الحرفة تمارس اليوم في حلب القديمة، ولا سيما في منطقة الجلوم، لكنها أصبحت محدودة جداً. فقد كان عدد الممارسين في حلب يقارب خمسةً وعشرين شخصاً، ولم يبقَ منهم إلا أربعة أو خمسة يمارسونها بشكل غير مستمر. وهذا التراجع لا يعود إلى ضعف قيمة الحرفة، بل إلى ظروف متعددة، منها تأثر السياحة وتجارة السجاد، وهجرة كثير من الحرفيين خلال سنوات الحرب، وما نتج عن ذلك من انقطاع في التعلم ونقل الخبرة.
ومع ذلك، ما زالت الحرفة تمتلك قابلية للاستمرار. فهناك استعداد لإقامة ورشات تعريفية ودورات تدريبية، ومن يصبر على تعلمها يمكن أن يجد فرصة عمل ضمن الورش التي لا تزال تمارس الترميم. كما أن بعض من تعلّموا رموزاً من الحرفة قبل عقود وهاجروا إلى أوروبا ما زالوا يتواصلون مع الورشة، بل يرسلون السجاد من أوروبا إلى حلب لترميمه. وهذا يدل على أن قيمة الحرفة لا تزال معروفة عند من يقدّر السجاد القديم ويعرف صعوبة تعويضه.
تواجه حرفة رتي السجاد خطراً مزدوجاً: خطر تراجع السوق، وخطر انقطاع المعرفة. فالسياحة وتجارة السجاد كانتا تدعمان الطلب على الترميم، ومع تراجعهما قلّت فرص العمل. وفي الوقت نفسه، أدت الهجرة وتقدم عمر الحرفيين إلى ضعف انتقال المهارة إلى جيل جديد. لذلك لا يكفي أن تبقى بعض السجادات بحاجة إلى ترميم؛ لا بد من بقاء من يعرف كيف يقرأها ويعيد بناءها.
إن أهمية رتي السجاد لا تكمن في إصلاح تلف مادي فقط، بل في حفظ ذاكرة المنسوج. فالسجادة القديمة قد تكون جزءاً من بيت، أو إرثاً عائلياً، أو قطعة ذات قيمة فنية وتاريخية. وحين تُرمم بعناية، لا تعود مجرد سجادة صالحة للاستعمال، بل تستعيد قدرتها على حمل الذاكرة والاستمرار داخل المكان. ولهذا تشبه هذه الحرفة أعمال الترميم الفني؛ فهي تتعامل مع المادة ببطء واحترام، وتترك أثرها الأجمل حين لا يظهر أثرها.
تُظهر حرفة رتي السجاد أن الصيانة قد تكون فناً قائماً بذاته. فمن السدى إلى اللحمة، ومن الغرزة إلى القفا، ومن اللون القديم إلى الجديد، يعمل الحرفي على إعادة التوازن إلى قطعة منسوجة فقدت جزءاً من بنيتها. وحفظ هذه الحرفة يعني حفظ معرفة نادرة بالسجاد، وبأنواعه، وبطرق بنائه، وباليد التي تستطيع أن تصلح من دون أن تمحو أثر الزمن.
المراجع
محوك، خوله. «حرفة السجاد: الرتي». توثيق ميداني، حلب القديمة، الجلوم، 15 آذار/مارس 2026. مقابلة مع عمر عبد الحميد روّاس.