توثيق: محمد وسام الحلبي
تحرير: غزل خالد سلطان
مراجعة: د. هلا قصقص
يُعدّ الفول المدمَّس باللبن والطحينة ركيزةً أساسيةً في قائمة الفطور التقليدي بمدينة دمشق وامتدادها في معظم المدن السورية. هو طبقٌ يجسّد قدرة المطبخ الشعبي على تحويل البقوليات البسيطة إلى وجبةٍ متكاملة، إذ يلتقي قوام الفول المتماسك بصلصة البدوة الكريمية ليقدّما توازناً فريداً بين دسامة الطحينة وحموضة اللبن. ولهذا الانسجام في النكهة والقوام، صار الفول المدمَّس باللبن والطحينة من أكثر الأطباق حضوراً على موائد الصباح في البيوت الدمشقية، وفي المطاعم الشعبية المعروفة بـالحمصانية على حدٍّ سواء.
تمتدّ جذور هذا الطبق إلى تقاليد قديمةٍ في التعامل مع البقول المسلوقة في كتب الطبخ. فقد ذكر ابن سيّار الورّاق في كتاب الطبيخ أصنافاً من الثريدة بالحمّص والفول في مواضع متعدّدة، بعضها يُطبخ باللبن وبعضها بدونه، بما يكشف عن أصالة دمج الألبان مع البقول في المطبخ الموروث. ووثّق فخري البارودي في معجم المآكل الدمشقية صلصة التسقية ببدوة، موضحاً تركيبتها من الطحينة والحمّص المدقوق المعروف بـالمسبّحة مع المرق، وهو ما يشكّل الأساس التقني المباشر لصلصة الفول باللبن في صورتها الحالية. كما أشار سمير ومروان الطحان في كتاب الغسطرنوم إلى عائلة فتّة الحمّص وشعبيتها ودسامتها، ووصفاها بأنها أكلةٌ تُفقد الفطنة لشدّة لذّتها وإشباعها. وبهذه الإحالات يقف الطبق شاهداً على خطٍّ متّصلٍ من التقنيات الموروثة التي رسمت ملامح الفطور الصباحي الدمشقي عبر قرون.
تحفظ الذاكرة العائلية للطبق سياقاً اجتماعياً غنياً، ينقله محمد خير الحلبي عن والده المرحوم سهيل الحلبي. فالفول باللبن والطحينة وجبة فطورٍ يومية بامتياز، يحضر على موائد الصباح في البيوت كما في المطاعم الشعبية، ويتّخذ حضوراً خاصاً في صباح الجمعة وفي اللقاءات العائلية الصباحية. وارتبط الطبق بمهنة الحمصاني في أسواق دمشق القديمة، وهي مهنةٌ عريقةٌ توارثتها العائلات الدمشقية، يقدِّم فيها أصحاب المحلات المتخصّصون الفول والمسبّحة والحمّص بطرقٍ تكاد تكون متوارثةً بحذافيرها. ويختزل الطبق فلسفة المطبخ الشعبي القائمة على تقديم وجبةٍ مغذّيةٍ ومُشبعةٍ بكلفةٍ معقولةٍ، تصل إلى الجميع في طبقاتهم المختلفة، فيتحوّل الفطور إلى لحظةٍ مشتركةٍ بين البيت والشارع.
تقوم الوصفة على خلطةٍ متوازنةٍ من المكوّنات الطازجة، تتمحور حول صلصة البدوة التي تمنح الطبق هويته. تُحضَّر من نصف كيلو من الفول الحبّ المدمَّس، ومن ربع كيلو من المسبّحة الجاهزة تُخلط بأربع إلى خمس ملاعق من اللبن وملعقتين من الطحينة لتشكيل قوام البدوة الكريمي. ويُضاف إلى الطبق أربع إلى خمس حبّاتٍ من البندورة المفرومة وكمشةٌ من البقدونس المفروم، إلى جانب فصوصٍ من الثوم المهروس وعصير الليمون أو رشّةٍ من حمض الليمون والملح والكمّون والفلفل الأحمر ودبس الرمّان. ويُتوّج الطبق بزيت الزيتون وبحفنةٍ من المكسّرات من الصنوبر أو اللوز أو الفستق بحسب الرغبة، فيكتمل المظهر المعروف على المائدة الدمشقية.
تبدأ تحضير الطبق بنقع الفول اليابس ليلةً كاملةً، ثم سلقه حتى الاستواء مع إضافة رشّةٍ من القلي، أي بيكربونات الصوديوم، لتسريع النضج وتطرية الحبّة. تُحضَّر صلصة البدوة في زبديةٍ بخلط المسبّحة مع اللبن والطحينة والثوم والملح والليمون، ويُخفَّف القوام قليلاً بالماء حتى يصبح أكثر سلاسةً من الطحينة الصرفة. تُجهَّز التتبيلة في وعاءٍ منفصلٍ بخلط البندورة المفرومة والبقدونس مع الثوم والليمون والملح. تُضاف بعدها كميةٌ مناسبةٌ من البدوة إلى خليط الخضار وتُحرَّك، ثم يُسكب الفول المسلوق الساخن فوقها وتُقلَّب المكوّنات بلطفٍ كي تتجانس من دون أن تنهرس الحبّات. يُسكب الطبق في صحن التقديم، ويُرشّ الكمّون والفلفل الأحمر ودبس الرمّان على وجهه، ويُتوَّج بزيت الزيتون والبقدونس والبندورة والمكسّرات.
لم تشهد هذه الوصفة تغيّراتٍ جوهريةً عبر الزمن، وهو ما يؤكّد رسوخ تركيبتها في الذاكرة الجمعية للمائدة الدمشقية. غير أن النِّسب تختلف بين منطقةٍ وأخرى؛ فبعض الطاهيات يَزِدن نسبة الطحينة على اللبن لإغناء القوام، فيما يلجأ آخرون إلى هرس الفول هرساً جزئياً ليصبح أقرب إلى الكريما، بينما يميل الدمشقيون عموماً إلى الإبقاء على الحبّات كاملةً مدمَّسة، حفاظاً على ملمسها الذي يميّز الطبق. وتمنح هذه التنويعات الوصفة مرونةً واضحة، فيمكن تقديمها بأبسط صورها بزيت الزيتون والبقدونس، أو إغناؤها بالسمن السوري وأنواع المكسّرات في المناسبات.
تستمدّ هذه الوصفة قيمتها التراثية من تشابك أبعادها الاجتماعية والتقنية. فهي فطورٌ يوميٌّ ميسور، وفي الوقت ذاته خلاصةٌ لتقاليد طويلةٍ في صناعة الصلصات الدمشقية القائمة على الطحينة والحمّص واللبن. وحضورها في كتب الطبخ ومعاجم المآكل، إلى جانب استمرارها في موائد البيوت ومطاعم الحمصانيّة في دمشق القديمة، يجعل منها واحدةً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي وفطور اليوم. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفةٍ، بل حفظٌ لشبكةٍ من المهن والمصطلحات والممارسات اليومية التي تشكّلت حول صحن الفول الصباحي ومعه ذاكرة الجمعات العائلية وأصواتها في البيوت الدمشقية.
المراجع