حرفة الجزماتي

توثيق وتحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

27/04/2026

تُعدّ حرفة الجزماتي من الحرف المرتبطة بصناعة الأحذية الجلدية ذات الساق الطويلة، وهي تختلف عن صناعة النعال أو الأحذية القصيرة لأنها تتعامل مع قطعة ملبوسة تغطي القدم وتمتد صعوداً على الساق. والجزماتي هو صانع الجزمات، والجزمات جمع جزمة، وهي ما يُلبس في الرجل من النعال، لكن لها ساق يستر ساق الرجل أو بعضه في الغالب. ومن هنا تأتي خصوصية هذه الحرفة؛ فهي لا تصنع حذاءً فقط، بل تصنع قطعة لباس تجمع بين الحماية، والوجاهة، والحركة، والانتماء الاجتماعي.

تقوم الجزمة على بنية مركبة: جزء سفلي يحيط بالقدم، وجزء علوي يمتد على الساق. وهذا الامتداد هو ما يميزها عن النعل أو الحذاء العادي، لأن الساق تمنحها وظيفة إضافية؛ فهي تحمي القدم والساق معاً، وتلائم بيئات الحركة في الريف والبادية، كما تلائم في بعض أنواعها اللباس العسكري. لذلك لا تُفهم الجزمة بوصفها قطعة ملبسية واحدة ثابتة، بل بوصفها عائلة من المنتجات الجلدية التي تختلف في الشكل والقيمة والاستعمال.

تُقسم الجزمات، كما يورد قاموس الصناعات الشامية، إلى ثلاثة أجناس رئيسية: عالٍ، ووسط، ودون. هذا التقسيم لا يقوم على الشكل وحده، بل على الجودة، والقيمة، ومكانة من يلبسها. فالنوع العالي كان يلبسه أمراء العرب ووجوههم، بينما ارتبطت الأنواع الأدنى بالفلاحين والبدو وبعض سكان الأرياف. وبذلك تكشف الجزمة عن تدرج اجتماعي واضح؛ فالحذاء هنا ليس مجرد أداة للمشي، بل علامة على المقام والقدرة والهيئة.

أما النوع العالي من الجزمات فكان أكثرها فخامة وتميزاً. يصفه القاسمي بأن جلده أحمر قانٍ، وله طيات أمام الساق، وعلى رأس ساقه المطوي طرّة حرير طويلة، لونها أزرق، وتلتف عليها خيوط من السيم. كما يكون بأسفل قدمها ما يعرف بـ الحذوة، أي قطعة حديدية في أسفل الحذاء. وهذه التفاصيل تكشف أن الجزمة العالية لم تكن عملية فقط، بل كانت قطعة استعراض وهيبة، يلبسها البدوي ويفتخر بها.

وتحمل الحذوة الحديدية دلالة عملية واضحة؛ فهي تقوّي أسفل الجزمة وتمنحها قدرة أكبر على احتمال الطرق الوعرة والحركة الطويلة. لكنها في الوقت نفسه تضيف إلى الجزمة صوتاً وحضوراً، وتجعلها أقرب إلى لباس يرتبط بالقوة والمكانة. أما الطرّة الحريرية والخيوط المعدنية، فتفتح المجال أمام فهم هذه الجزمات بوصفها زينة رجالية أيضاً، لا مجرد حماية للقدم. وهنا تظهر العلاقة بين الجلد والزينة: مادة قوية في الأساس، لكنها تُزيّن بالحرير والسيم لتدل على المكانة.

أما النوع الوسط، فهو أدنى من العالي في القيمة والحسن. ويبدو أنه يحافظ على وظيفة الجزمة الأساسية، لكنه لا يبلغ مستوى الفخامة في الجلد والزينة والتشطيب. وهذا النوع يمثل طبقة وسطى بين الجزمات الرفيعة التي يلبسها الوجهاء وبين الجزمات الأبسط التي تنتشر بين الفلاحين والبدو. ووجود هذا التصنيف الوسطي يدل على أن السوق كان يعرف درجات متعددة من الجودة والسعر، بحسب حاجة الزبون وقدرته.

أما النوع الدون، فقد كان له سوق مخصوص في سيدان الحصى، يعرف باسم سوق الجزمايتة. وتُصنع فيه الجزمات الأقل قيمة أو الأبسط صناعة، وغالباً يكون لون جلدها أقرب إلى الأصفر. وقد كان يلبسها فلاحو أهل حوران، رجالاً ونساءً، وأهل تلك الجهات من البدو. وهذه المعلومة مهمة لأنها تربط الحرفة جغرافياً واجتماعياً بالريف والبادية، وتبين أن الجزمة لم تكن مقصورة على الرجال وحدهم، بل دخلت أيضاً في لباس النساء في بعض البيئات.

ويكشف استعمال الجزمات في حوران وبين البدو عن وظيفة بيئية للحرفة. فالأرض الريفية، والعمل الزراعي، والحركة بين القرى، والاحتكاك بالطين والحصى والتراب، كلها تحتاج إلى لباس قدم متين. ولذلك امتدت الجزمة على الساق لتمنح حماية أكبر من الحذاء القصير. ويمكن القول إن الجزماتي كان يستجيب لحاجة عملية فرضتها طبيعة المكان، لا لذوق ملبسي مجرد.

وتدخل الجزمات أيضاً في المجال العسكري. فبعض أنواعها كان يلبسه الجند، أي العساكر السلطانية، وكانت تُصنع من الجلد الأسود الفرنساوي، وساقها طويل فوق الركبة. وقد يلبس الضباط نوعاً تمتد ساقه إلى آخر الفخذ، ويكون ثمنه كبيراً بحسب جودة الصنعة وإتقانها. وهنا تتغير دلالة الجزمة مرة أخرى: من لباس ريفي أو بدوي، إلى جزء من الهيئة العسكرية والانضباط الرسمي.

هذا الانتقال بين الريف والبادية والجيش يكشف مرونة الحرفة واتساع سوقها. فالجزماتي لم يكن يصنع نموذجاً واحداً، بل كان يعمل ضمن حاجات مختلفة: جزمة للوجيه، وجزمة للبدوي، وجزمة للفلاح، وجزمة للعسكري، وجزمة للضابط. ولكل واحدة منها مادة، وطول، ولون، وزينة، ومستوى من الإتقان. ولذلك تقوم الحرفة على معرفة دقيقة بالزبون بقدر معرفتها بالجلد.

أما من حيث المواد، فالحرفة قائمة أساساً على الجلد، لكن النص يميز بين ألوانه وأنواعه: جلد أحمر قانٍ في الجزمات العالية، جلد أقرب إلى الأصفر في الجزمات الدون، وجلد أسود فرنساوي في الجزمات العسكرية. وهذا التنوع في الجلد يدل على أن المادة نفسها كانت تحمل دلالة: فاللون، والمصدر، والصلابة، وجودة التشطيب، كلها عناصر تحدد قيمة الجزمة ومكانتها.

ومن الناحية التقنية، يمكن تخيل عمل الجزماتي بوصفه عملاً دقيقاً في القصّ، والخياطة، والتثبيت، وتشكيل الساق. فالجزمة الطويلة تحتاج إلى جلد مرن بما يكفي ليلتف حول الساق، وقوي بما يكفي ليصمد في الاستعمال. كما تحتاج إلى قياس مضبوط حتى لا تكون ضيقة تعيق الحركة أو واسعة تفقد شكلها. وكلما طالت الساق، زادت صعوبة ضبطها، خصوصاً في جزمات العسكر والضباط التي قد تصل إلى فوق الركبة أو آخر الفخذ.

وتظهر الزينة في بعض الجزمات بوصفها جزءاً من هويتها. فالطيات أمام الساق، والطرّة الحريرية الزرقاء، وخيوط السيم، والحذوة الحديدية، كلها تفاصيل تجعل الجزمة قطعة مرئية ومقروءة اجتماعياً. فالذي يلبس الجزمة العالية لا يلبسها للحماية وحدها، بل لإظهار المقام والهيبة. وهنا تلتقي حرفة الجزماتي مع عالم الزينة الرجالية واللباس الاحتفالي، لا مع عالم الضرورة العملية فقط.

أما اقتصادياً، فيصف القاسمي هذه الحرفة بأنها رائجة، وأن ربحها لا بأس به، وأن أهلها مستورون ومن ذوي البيوت. وهذا التعبير مهم لأنه يحدد موقع الحرفة داخل المجتمع: ليست من الحرف الفقيرة أو الهامشية، وليست بالضرورة من الحرف الفاخرة النادرة، بل حرفة محترمة ذات سوق واضح ودخل مقبول. وارتباطها بفئات متعددة من الزبائن جعلها قادرة على الاستمرار والانتشار.

وتكشف الحرفة أيضاً عن نظام أسواق متخصص. فوجود سوق الجزمايتة يدل على أن صناعة الجزمات لم تكن عملاً فردياً متناثراً، بل كان لها فضاء تجاري معروف. والسوق هنا لا يبيع منتجاً فقط، بل يجمع الصنّاع، والزبائن، والمواد، وأنواع الجودة المختلفة. وفي هذا السياق، تصبح أسماء الأسواق نفسها وثائق على تاريخ الحرف؛ فحتى حين تتغير الوظائف، يبقى الاسم شاهداً على ما كان يُصنع ويُباع هناك.

ومن المهم التمييز بين الجزماتي والكندرجي. فالقاموس يذكر أن بعض الجزمات العسكرية كان يشتغلها الكندرجي وصنّاع الميري. وهذا يعني أن حدود الحرف لم تكن دائماً مغلقة تماماً؛ فصناعة ما يلبس في القدم قد تتداخل بين الجزماتي والكندرجي بحسب النوع والزبون والاستعمال. لكن الجزماتي يتميز خصوصاً بصناعة الجزمات ذات الساق، لا الأحذية القصيرة وحدها.

وتدل الحرفة على علاقة اللباس بالحركة. فالجزمة ليست قطعة ساكنة؛ قيمتها تظهر في السير، والركوب، والعمل، والتنقل، والحضور العام. لذلك صُممت لترافق الجسد في الحركة، ولتحميه في بيئات مختلفة. فالبدوي يحتاج إليها في التنقل، والفلاح يحتاج إليها في الأرض، والعسكري يحتاج إليها في الانضباط والحركة النظامية، والوجيه يحتاج إليها بوصفها علامة هيئة ومقام.

كما تكشف الجزمات عن تداخل الريفي والعسكري في تاريخ اللباس. فكلاهما يحتاج إلى المتانة والطول والحماية، لكن لكل منهما شكل ودلالة. في الريف والبادية، ترتبط الجزمة بالعمل والتنقل والوجاهة المحلية؛ أما في المجال العسكري، فترتبط بالنظام، والرتبة، والزي الرسمي. وهذا التعدد جعل الحرفة قادرة على إنتاج أشكال مختلفة من القطعة نفسها، بحسب السياق.

إن دراسة الجزماتي تبيّن أن الأحذية ليست عناصر ثانوية في تاريخ اللباس. فالحذاء يحدد علاقة الجسد بالأرض، والجزمة تحديداً تحدد علاقة القدم والساق بالمكان. وهي تكشف عن الطريق، والبيئة، والطبقة، والعمل، والسلطة. ومن خلال الجزمة يمكن قراءة عالم كامل من الحركة: من سوق سيدان الحصى إلى حوران، ومن البادية إلى العسكر السلطاني.

وتبرز أهمية هذه الحرفة في أنها تحفظ معرفة جلدية وتقنية واجتماعية في آن واحد. فالجلد يحتاج إلى اختيار وتهيئة، والساق تحتاج إلى قياس وتشكيل، والقدم تحتاج إلى حماية وراحة، والزبون يحتاج إلى مظهر يناسب مقامه ووظيفته. لذلك لا يصنع الجزماتي مجرد حذاء طويل، بل يصنع قطعة تجمع بين الجسد والبيئة والهوية.

إن حرفة الجزماتي، كما تظهر في قاموس الصناعات الشامية، تفتح نافذة على تاريخ اللباس العملي والوجاهي في دمشق ومحيطها. فهي تكشف كيف كانت الأسواق تنتج أنواعاً مختلفة من الجزمات بحسب الجودة والحسن، وكيف ارتبطت بعض الجزمات بالبدو والفلاحين، وبعضها بالعسكر والضباط، وبعضها بالوجهاء وأمراء العرب. ومن خلال الجلد، والحذوة، والطرّة، والساق الطويلة، تتجسد حرفة تجمع بين القوة والزينة، وبين الحاجة اليومية والتمييز الاجتماعي.

المراجع
القاسمي، محمد سعيد، وجمال الدين القاسمي، وخليل العظم. قاموس الصناعات الشامية. تحقيق وتقديم ظافر القاسمي. دمشق: دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، 1988، 81–82.