طبق المقطّعة الدرعاوي

رشتايةُ الجنوب وقدرُ اللبن في ليالي الشتاء الدرعاوية

توثيق: الشيف مهند محمد الحموية

تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص

06/05/2026

تُعدّ المقطّعة من أعرق الأطباق التراثية في جنوب سوريا، وأحد أبرز أعمدة المطبخ الشتوي في محافظات درعا والقنيطرة والسويداء. تُعرف الوصفة بأسماء متعدّدة بحسب اللهجات المحلية، منها المقطّعة الدرعاوية والمقصقصة والرشتا والرشتاية باللبن، وكلّها تشير إلى المبدأ ذاته القائم على عجينٍ يُقطَّع شرائطَ رفيعةً تُسلق في اللبن مع العدس والحمّص وزيت الزيتون والبصل. ويتميّز الطبق بطعمٍ حامضٍ خفيفٍ وقوامٍ مُشبعٍ، فيمنح الجسم طاقةً ودفئاً في أيام البرد القارس، ويُشكّل خياراً ممتازاً للنباتيين الذين يمكنهم استبدال اللبن بمرق العدس فيتحوّل الطبق إلى وجبةٍ نباتيةٍ كاملة. ويعود اختلاف الأسماء إلى طريقة إعداد العجين؛ إذ سُمّيت المقصقصة لأن العجينة تُقصقَص شرائط أو قطعاً قبل الطبخ، فيما تُحيل المقطّعة إلى العجين الذي يُقطَّع ويُطبخ في اللبن، وتُستخدم الرشتاية وصفاً للعجين المقطّع شرائط رفيعةً تشبه المعكرونة التقليدية.

تمتدّ جذور هذا الطبق عميقاً في كتب الطبخ القديمة، إذ تنتمي إلى عائلة الرشتا التي توارثها المطبخ من العصور الوسطى. وقد ذكرها ابن المبرد الدمشقي في كتاب الطباخة تحت اسم الرشتا، فأشار إلى أن اللحم يُسلق ثم تُوضع فوقه شرائح العجين، ويُضيف بعضهم البصل، فيما يُدخل آخرون الحمّص وتُرشّ الكزبرة الخضراء على الوجه. ووثّقها سمير ومروان الطحان في كتاب الغسطرنوم تحت اسم رشتاية، فأشارا إلى سلق العدس وإسقاط شرائط الرشتاية اليابسة أو المحمَّصة فيه، ثم كَيّها بتقلية البصل المفروم بالزيت ورشّ النعناع عند الأكل، وأوردا بيتاً شعبياً متداولاً. كما تُحيل ملاحظة الموثّق إلى ذكرٍ مماثلٍ في تراث المعاجم العربية للمآكل، تحت اسم رشتاية بعدس، يُسلق فيه العدس بعد تقطيع العجين، فيُضاف إليه ويُترك حتى ينضج، ثم تُضاف إليه الكزبرة والثوم. وبهذه الإحالات تقف المقطّعة شاهدةً على خطٍّ متّصلٍ من تقاليد العجين المقطّع المسلوق مع البقول، ويتفرّد الجنوب السوري بصيغته الخاصة التي تعتمد اللبن مادةً للطبخ بدلاً من الماء أو المرق، استثماراً لوفرة الألبان في بيئته الرعوية.

تحفظ الذاكرة العائلية للمقطّعة سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله السيدة ناديا الحريري عن أمها وجدّتها. فالطبق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمواسم وظروفٍ بعينها تعكس طبيعة الحياة في جنوب سوريا، وأبرزها فصل الشتاء والمربعانية، إذ تُعدّ المقطّعة الأكلة الشتوية الأولى بلا منازع، تُؤكل ساخنةً جداً وتمنح الجسم طاقةً ودفئاً فورياً بفضل اجتماع العجين والعدس واللبن في صحنٍ واحد. ويرتبط تحضيرها بطقسٍ شعبيٍّ في درعا يربط بين صوت المطر والأكلات القائمة على العجين واللبن، فتجتمع العائلة حول المدفأة في أيام المنخفضات الجوية لتناولها. كما كان الفلاحون يحضّرونها قديماً في مواسم العمل الشاق لأنها وجبةٌ مُشبعةٌ تصمد في البطن لفتراتٍ طويلة، فتُسند ظهر العاملين في الحقول وتُعينهم على تحمّل الجهد البدني. وارتبط تحضيرها كذلك بـالفزعة النسائية، إذ يجتمعن لرقّ العجين وقصقصته، فتتحوّل عملية التحضير إلى مناسبةٍ اجتماعيةٍ قائمةٍ بذاتها تعكس روح التعاون والترابط، وتدور فيها الحكايات والأهازيج بين الجارات والقريبات. وتعكس الذاكرة الشعبية المقارنة بين مقطّعة درعا وحرّاق إصبعه الدمشقي؛ إذ اختار الدمشقيون التمر الهندي ودبس الرمّان مصدراً للحموضة، فيما اختار أهل درعا اللبن والكِثِي استثماراً لطبيعتهم الرعوية ووفرة الألبان عندهم، وتبقى المقطّعة في الذاكرة الجمعية الصورة الجنوبية الأصيلة لهذه العائلة من الأطباق.

تقوم الوصفة على ثلاثة محاور تتشابك في القدر الواحد. تُحضَّر العجينة من ثلاثة أكوابٍ من الطحين، يُفضَّل مزج الطحين الأسمر مع الأبيض للحصول على قوامٍ متماسكٍ ونكهةٍ أصيلة، إلى جانب كوبٍ إلى كوبٍ وربع من الماء الدافئ بحسب نوع الطحين، وملعقةٍ صغيرةٍ من الملح، وملعقةٍ كبيرةٍ من زيت الزيتون. وتُضاف إلى الطبق الحبوب الأساسية، وهي كوبٌ من العدس البنّي المعروف بـعدس بجبّة ونصف كوبٍ من الحمّص المسلوق. أما السائل الذي يُطهى فيه الطبق فيتوفّر بطريقتين، أصلاهما اللبن. تعتمد الأولى على كيلوغرامين من اللبن الرائب، يُضاف إليه ملعقتان من النشا وملعقةٌ من الملح ونصف كوبٍ من الماء. أما الثانية فتعتمد على قبضةٍ من الكِثِي، المعروف أيضاً بـالهِقط أو الجميد، الذي يُنقع اثنتي عشرة ساعةً أو يُخفق بالخلّاط، ويمكن مزج اللبن مع قليلٍ من الكثي لتعزيز الحموضة والنكهة. وتحضر القدحة أو التقلية بوصفها سرّ النكهة، وتتألّف من ثلاث حبّاتٍ كبيرةٍ من البصل، ونصف كوبٍ من زيت الزيتون الذي لا يُستبدل بالسمن في هذه الوصفة، إلى جانب أربعة فصوصٍ من الثوم المهروس بحسب الرغبة، والملح، ونصف ملعقةٍ صغيرةٍ من الكركم لإضفاء لونٍ أصفر خفيف، ورشّةٍ من الفلفل الأسود، وملعقةٍ كبيرةٍ من النعناع الناشف تُرشّ على الوجه عند التقديم. وتُستخدم في كل ذلك أدواتٌ بيتيةٌ معروفة، من وعاء العجن والشوبك والسكين الحادّة، إلى القدر الكبير والقدر الصغير والمقلاة وأطباق السكب الواسعة.

تبدأ تحضير الوصفة بخلط الطحين والملح، وإضافة زيت الزيتون لتنعيم العجينة، ثم وضع الماء تدريجياً حتى تتشكّل عجينةٌ قاسيةٌ قليلاً ومتماسكة، إذ إن قساوة العجينة هي سرّ نجاح الطبق وضمان عدم ذوبانها في اللبن. تُترك العجينة لترتاح بين ثلاثين وخمسٍ وأربعين دقيقة، ثم تُفرد بالشوبك على سطحٍ مرشوشٍ بالطحين بسخاءٍ حتى تصبح رقيقةً جداً مثل الورقة. يُرشّ وجهها بالطحين وتُطوى عدّة طياتٍ، ثم تُقطَّع بالسكين شرائط رفيعةً تشبه الشعيرية العريضة، أو مربّعاتٍ صغيرة. تُنثر القطع وتُرشّ بالطحين وتُترك جانباً. يُغسل العدس ويُسلق في ماءٍ وافرٍ حتى ينضج بنحو ثمانين بالمئة، مع الحرص على بقاء الحبّة متماسكة. ويُسلق الحمّص المنقوع، أو يُستبدل بالحمّص المعلَّب بحسب الرغبة. تُحضَّر النسخة باللبن بوضع اللبن في قدرٍ واسعٍ على نارٍ متوسّطة، وإضافة النشا والملح، ثم تخفيف كثافته بالماء، وخفقه بالخلّاط أو المضرب اليدوي حتى ينعم تماماً، مع الاستمرار في الخفق حتى الغليان. أما النسخة بالكثي فتُحضَّر بنقعه اثنتي عشرة ساعةً أو خفقه بالخلّاط، مع إمكانية مزج اللبن بقليلٍ منه لتعزيز الحموضة. تُسقَط شرائط العجين أو قطعه تدريجياً في اللبن المغليّ حفنةً بحفنةٍ مع التحريك بلطفٍ بعد كل حفنة، حفاظاً على عدم التصاقها ببعضها، ثم يُضاف العدس المسلوق والحمّص، ويُترك القدر يغلي على نارٍ هادئةٍ بين خمس عشرة وعشرين دقيقة، فيتسبَّك اللبن ويأخذ قواماً مخمليّاً بفعل الطحين العالق على شرائط العجين. وإذا أصبح القوام ثقيلاً جداً يُخفَّف بقليلٍ من الماء المغلي. وتأتي خطوة القدحة في الختام بفرم البصل جوانح طويلةً، ووضعه في مقلاةٍ مع زيت الزيتون، وتقليبه حتى يصبح ذهبياً ومقرمشاً. يُسكب الزيت الساخن مع نصف كميّة البصل فوق قدر المقطّعة في خطوة تُعرف بـالطشّة، فتمنحها نكهتها الحقيقية. يُسكب الطبق في صحونٍ واسعة، ويُزيَّن وجهه بباقي البصل المقلي المقرمش ورشّةٍ من النعناع الناشف. وتنتقل في البيوت الدرعاوية نصيحةٌ ثابتةٌ في هذا السياق، مفادها عدم غسل العجين من الطحين قبل وضعه في اللبن، لأن ذلك الطحين هو الذي يمنح اللبن قوامه المخملي ويربط مكوّنات الطبق ببعضها.

شهدت المقطّعة تحوّلاتٍ معاصرةً واضحةً في موادها وأدواتها. فقد كان العجن ورقّ العجين وقصقصته يجري يدوياً قديماً، وهي عمليةٌ تستغرق وقتاً وجهداً، فيما يلجأ كثيرون اليوم إلى استخدام المعكرونة الجاهزة بأشكالها الصغيرة أو شرائطها العريضة. وتغيّر نوع الطحين من القمح البلدي الأسمر المطحون في المطاحن الحجرية، الذي كان يمنح العجينة طعماً قوياً وقواماً خشناً، إلى الطحين الأبيض المعروف بـالزيرو الذي يُسهّل العمل ويُسرّعه. كما تحوّل اللبن المستخدم من اللبن المخيض البلدي الحامض الذي كان يُمزج أحياناً بـالكثي المهروس يدوياً، إلى اللبن الرائب المعلَّب المتوفّر في الأسواق. وانتقلت أدوات الطهي من الدست النحاسي أو الألمنيومي الكبير الذي كان يُستخدم على الحطب أو بوابير الكاز، فيمنح الطبق نكهة تدخينٍ خفيفة، إلى قدور التيفال أو الجرانيت على أفران الغاز التي تقلّل من احتمالية التصاق العجين. وأضاف بعض الطاهيات لمساتٍ عصريةً جديدة، من قبيل مكعّبات مرق الدجاج لتعزيز النكهة، أو الثوم والكزبرة في القدحة النهائية، فيما يبقى الأصل الدرعاوي مرتكزاً على البصل والزيت والنعناع الناشف.

تستمدّ المقطّعة قيمتها التراثية من تشابك أبعادها في طبقٍ واحد. فهي خلاصةٌ لعلاقة جنوب سوريا بأرضه، تختزل في صحنٍ واحدٍ مؤونة القمح والعدس واللبن، وتُعبّر عن ذكاء ربّة البيت في صناعة وجبةٍ مُشبعةٍ من المتاح. وهي طبقٌ اجتماعيٌّ بامتياز، يلتقي فيه التعاون النسائي بالحكاية والأهزوجة، ويختزل دفء البيت في ليالي الشتاء وفي أيام المطر والمواسم القاسية. وحضورها الموثَّق في كتب الطبخ تحت أسماء الرشتا والرشتاية منذ القرون الوسطى، إلى جانب استمرارها في موائد الجنوب اليوم، يجعلها واحدةً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي والمطبخ المعاصر. ولذلك فإن توثيقها ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكةٍ من الممارسات النسائية والمصطلحات اللهجية وذكريات الفزعة وقدر اللبن المُغطّى بقدحة البصل الذهبية في ليالي درعا الباردة.

المراجع