الخبيزة بالزيت

هبة الربيع وذاكرة الأرض في المطبخ السوري

توثيق: محمد وسام الحلبي
تحرير: غزل خالد سلطان
مراجعة: د. هلا قصقص

21/04/2026

تُعدّ الخبيزة بالزيت من الأطباق النباتية التقليدية الراسخة في الثقافة الغذائية السورية، حيث ارتبطت بموسم الربيع وبالبيئات القريبة من البساتين والأراضي الخصبة. يقوم هذا الطبق على استخدام أوراق الخبيزة البرية التي تنمو في الحقول والبراري، وتُطهى عادةً بزيت الزيتون مع البصل، ويُضاف إليها أحياناً الثوم والكزبرة الخضراء. وبهذا المعنى، تمثل الخبيزة بالزيت واحداً من الأطباق الشعبية البسيطة التي نشأت في سياق الاستفادة المباشرة من الموارد الطبيعية المحلية، وظلت حاضرة في المائدة المنزلية بوصفها طعاماً موسمياً يرتبط ببداية الخضرة بعد الشتاء.
وللخبيزة حضور واضح في المصادر التراثية الغذائية والطبية، وهو ما يؤكد قدم معرفتها واستهلاكها في المنطقة. فقد أشار ابن البيطار في الجامع لمفردات الأدوية والأغذية إلى نبات الخبيز وميّز بين أنواعه، كما وردت الخبيزة في الوَصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات ضمن وصفات تُظهر تنوع طرائق استعمالها في الطهي، بما في ذلك خلطها بمواد أخرى مثل الملوخية اليابسة ومرق اللحم. كذلك يورد معجم المآكل الدمشقية وصفاً قريباً من الطريقة المتداولة في إعدادها بالزيت والبصل والكزبرة والثوم مع تزيين الطبق بحب الرمان، بينما يشير كتاب الغسطروم إلى صيغة أخرى يمكن أن تُخلط فيها الخبيزة بالحمص المسلوق وتؤكل مع الليمون. وتكشف هذه الإشارات مجتمعة عن رسوخ هذا الطبق، أو مكوّنه الأساسي، في تاريخ المطبخ المحلي ومرونته في التكيّف مع البيئات والمواد المتاحة.
وتتجلى القيمة الثقافية لهذا الطبق في كونه جزءاً من معرفة منزلية متوارثة، انتقلت عبر الأمهات والجدات ضمن إطار الطبخ العائلي. وفي المادة الموثقة تَرِد شهادة دلال الدباس، البالغة من العمر نحو خمسة وستين عاماً، بوصفها شاهدة على هذا الإرث الغذائي الذي تعلّمته من الأم والجدة. وتؤكد هذه الشهادة أن الخبيزة بالزيت تُحضَّر في موسم محدد، غالباً عند قطف أوراق الخبيزة من الأرياف والبساتين في فصل الربيع أو عند توافرها في الأسواق، وأن إعدادها يتم عادة داخل البيت على يد أهل المنزل. وعلى هذا الأساس، لا تبدو الخبيزة بالزيت مجرد وصفة، بل ممارسة ثقافية مرتبطة بزمن موسمي محدد وبعلاقة حميمة بين الغذاء والبيئة والذاكرة العائلية.
أما طريقة التحضير، فهي تقوم على خطوات بسيطة ودقيقة في الوقت نفسه. تبدأ العملية بفرم أوراق الخبيزة فرماً متوسطاً، ثم نقعها بالماء والملح مدة قصيرة، وغسلها جيداً مرتين أو ثلاثاً قبل تصفيتها. بعد ذلك يُقطّع البصل، إما شرائح أو مكعبات بحسب الرغبة، ويُقلى بزيت الزيتون حتى يكتسب لوناً ذهبياً. ثم تُضاف الخبيزة إلى البصل وتُقلَّب على النار من دون إضافة الملح في البداية، وتُترك مكشوفة حتى تذبل وتجف ماؤها تدريجياً. وعند تمام النضج يُضاف الملح، ثم الثوم المفروم، وتُترك لتغلي غلوة خفيفة، قبل إطفاء النار مباشرة وإضافة الكزبرة الخضراء المفرومة. وتُقدَّم ساخنة، وغالباً ما تُزيَّن بحبات الرمان وتؤكل مع عصرة ليمون. وتكشف هذه الطريقة عن اقتصاد واضح في المكونات، تقابله عناية دقيقة بالنكهة والتوقيت وطبيعة النبات المطبوخ.
وترتبط الخبيزة بالزيت أيضاً بمعجم محلي يعكس البيئة الريفية التي نشأ فيها الطبق. فمصطلح تحويش يدل على قطف أوراق الخبيزة من الأرض أو من أطراف البساتين، بينما تشير الجرزة إلى حزمة من النبات بمقدار قبضة اليد، وتدل الطاجونة أو الطشط على الوعاء المستخدم في الغسل والتحضير. وتحمل هذه التعابير قيمة توثيقية بحد ذاتها، لأنها تحفظ جانباً من اللغة اليومية المرافقة للممارسات الغذائية التقليدية، وتربط الطبق بسياقه المادي والاجتماعي لا بوصفه منتجاً نهائياً فقط، بل بوصفه سلسلة من الأفعال والخبرات والأسماء المحلية المتوارثة.
ومن جهة أخرى، تُظهر المادة الموثقة أن هذا الطبق لم يبقَ ثابتاً تماماً عبر الزمن. فقد كانت الخبيزة تُطبخ تاريخياً أحياناً مع اللحم أو ممزوجة بنباتات ورقية أخرى مثل الملوخية، في حين غلبت عليها اليوم الصيغة النباتية القائمة على زيت الزيتون والبصل والكزبرة الخضراء. كما تظهر فروق إقليمية في إعدادها داخل سوريا؛ ففي بعض مناطق الساحل تُضاف الفليفلة، وفي الشمال السوري يُضاف دبس الرمان، بينما تُضاف إليها في مناطق أخرى مكونات مثل اللحم أو البرغل. وتشير هذه التحولات إلى أن الخبيزة بالزيت، على الرغم من بساطتها، ليست وصفة جامدة، بل طبقاً حياً يتبدل تبعاً للذائقة المحلية والظروف المعيشية وتوافر المواد.
وتتجاوز أهمية هذا الطبق حدود المطبخ إلى الذاكرة الاجتماعية المرتبطة بموسم الربيع. فالروايات الشفهية المتداولة في القرى السورية تربط ظهور الخبيزة ببداية موسم الخضرة بعد الشتاء، وتشير إلى أن قطفها كان يتم في كثير من الأحيان بشكل جماعي، بمشاركة النساء والأطفال في الحقول والأراضي البور. ومن هنا تغدو الخبيزة بالزيت أكثر من طعام موسمي؛ إنها ممارسة تجمع بين المعرفة الغذائية والعمل الجماعي والعيش القريب من الأرض، وتحفظ في الوقت نفسه صورة من صور الحياة اليومية في البيئة السورية. لذلك يمكن النظر إلى هذا الطبق بوصفه عنصراً من عناصر التراث الغذائي غير المادي، لأنه يحمل في مكوناته وطرائق تحضيره وسياقاته الاجتماعية ذاكرةً متوارثة عن العلاقة بين الإنسان والمكان والموسم.

المراجع
• ابن البيطار، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، ص. 311.
• ابن العديم، الوَصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات، ص. 50، الوصفة رقم 25.6.
• معجم المآكل الدمشقية، ص. 87.
• الغسطروم، ص. 193.
• الدباس، دلال. إفادة شفهية موثقة حول إعداد طبق الخبيزة بالزيت، فبراير 2026.
• الحلبي، محمد وسام. توثيق طبق الخبيزة بالزيت، مبادرة رواق، فبراير 2026.
• Cookpad، “الخبيزة بالزيت على الطريقة السورية.”
• YouTube، https://www.youtube.com/watch?v=8DPDpeckGzg
• YouTube، https://www.youtube.com/watch?v=A-vENfRI77M