توثيق: ميار رنه
تحرير ومراجعة: د. هلا قصقص
يُعدّ حرّاق إصبعه من أعرق الأطباق الشعبية في المطبخ الدمشقي، وهو حساء عدسٍ سميكٌ حامض المذاق يقترن في الذاكرة بليالي الشتاء وبعادة السكبات بين الجيران في الأحياء القديمة. يُعرف الطبق بأسماء متعدّدة بحسب اللهجات المحلية، منها حرّاق إصبعو، وحرق أصبعو، ومحروقة إصبع، وحرّاء إصبعو، وحرّاق بأصبعه، فيما يبقى الاسم الأشهر حرّاق إصبعه عنواناً لطبقٍ نباتيٍّ متكاملٍ يجمع العدس والعجين المقطّع وحموضة التمر الهندي ودبس الرمّان في صحنٍ يُلخّص فلسفة المطبخ الشتوي القائم على الدفء والإشباع وغنى النكهة.
تتعدّد الروايات حول أصل التسمية، ولا تستند إلى مصدرٍ تاريخيٍّ موثَّق، بل تتداولها الذاكرة الشفوية على شكل تفسيراتٍ متجاورة. وتروي الحكاية المتداولة أن رجلاً كان شَرِهاً وضع إصبعه في القدر ليتذوّق الطبق قبل أوانه فاحترق، فقالت زوجته لابنها حرق إصبعه، فظنّ الطفل أن العبارة هي اسم الطبق فالتصق به الاسم. ويذهب تفسيرٌ آخر إلى أن الاسم يصف لذّة الطبق وحرارته، فهو يحرق الأصابع من حدّة طعمه ومن سخونته في آنٍ واحد، حتى صار التعبير صورةً مجازيةً عن حلاوة الأكلة.
تمتدّ جذور هذه الوصفة في كتب الطبخ القديمة على شكل تطوّرٍ تدريجيٍّ من حساء العدس بالخل والسماق إلى صورته الحالية بالعجين المقطّع. فقد ذكر ابن المبرد الدمشقي في كتاب الطباخة أن أحسن طبخات العدس تكون بجرشه ثم طبخه مع السلق والقلقاس، وعند الاستواء يُضاف إليه السماق والبصل المقلوّ والبقدونس والخلّ والزيت، في صورةٍ مبكّرةٍ تتقاطع مع جوهر حرّاق إصبعه الحالي في حموضته وتزيينه بالبصل المقليّ. وأمّا الصورة الناضجة للطبق فقد التقطها فخري البارودي في معجم المآكل الدمشقية، حين وصفه باسم حرّاق بأصبعه وفصّل في طريقة تحضيره؛ إذ يُسلق العدس على النار حتى ينضج، ثم تُضاف إليه كميّةٌ من الحمّص اللازم والرمّان أو التمر الهندي، ثم يُضاف إليه العجين المقطّع ويُترك حتى ينضج، وتُضاف إليه الكزبرة مع الثوم الناعم المقليّ بالزيت، ويُزيَّن بعد السكب بالخبز المقليّ والبصل المقليّ بالزيت. وبهذا يتّضح أن الطبق ينتمي إلى عائلةٍ موروثةٍ من حساء العدس بالحموضة، وقد استقرّ في صورته الدمشقية على إضافة العجين المقطّع وعلى توليفةٍ ثابتةٍ من التزيين تجمع البصل والكزبرة والثوم.
تحفظ الذاكرة العائلية للطبق سياقاً اجتماعياً غنياً، تنقله ميار رنه عن نساء العائلات الدمشقية اللواتي توارثن الوصفة جيلاً بعد جيل. فحرّاق إصبعه طبقٌ موسميٌّ بامتياز، يحضر في فصل الشتاء حين يحتاج الجسم إلى وجبةٍ دافئةٍ ومُشبعة، وتجتمع في صحنه عناصر غذائيةٌ متكاملة من بروتين العدس وفيتامينات الخضار وحموض المكوّنات. وتتولّى تحضيره في الغالب الأمهات والجدّات في البيوت الدمشقية، فيتحوّل إلى مناسبةٍ للتشارك بين الجيران من خلال عادة السكبات التي تقضي بتوزيع جزءٍ من الطبق على البيوت المجاورة في الأحياء التقليدية. وتعكس هذه الممارسة شبكةً اجتماعيةً أوسع من شبكة الطعام نفسه، إذ تتعزّز الروابط بين البيوت من خلال صحون العدس الحامض التي تُتبادَل في أيام البرد، فيكتسب الطبق بذلك بعداً اجتماعياً يتجاوز مكانه على المائدة العائلية.
تقوم الوصفة على مكوّناتٍ بسيطةٍ متوفّرةٍ في معظم البيوت. تُحضَّر من كوبٍ من العدس البنّي، وكوبين من الماء أو أكثر بحسب الحاجة، ونصف كوبٍ من شراب التمر الهندي المركَّز المصفّى، أو من بديلٍ يجمع عصير الليمون مع السماق، إلى جانب ملعقةٍ كبيرةٍ من دبس الرمّان. ويُضاف إلى ذلك بصلتان كبيرتان تُقطَّعان جوانح، وأربعة فصوصٍ من الثوم المفروم ناعماً، وأربع ملاعق كبيرة من الكزبرة الخضراء المفرومة، وربع ملعقةٍ صغيرةٍ من الكمّون المطحون، والملح بحسب الرغبة، والزيت للقلي. وتُحضَّر العجينة من كوبين من الدقيق ورشّةٍ من الملح والماء للعجن، فيما يُتمّ التزيين بحبوب الرمّان والكزبرة الخضراء والبصل المحمَّر وقطع العجين المقليّ على شكل دوائر أو شرائح. وقد ظهرت في السنوات الأخيرة نسخةٌ حديثةٌ شائعةٌ تستخدم فيها المعكرونة الشرائح العريضة بدلاً من العجين المنزلي، بنحو ثلاثمئة غرامٍ منها، مع إضافة الكمّون والسمّاق وعصير الليمون والخبز السوري المقليّ.
تبدأ تحضير الطبق بغسل العدس وسلقه مع الماء والكمّون حتى يغلي، ثم تخفيف النار وتركه نحو ساعةٍ حتى ينضج ويتفتّح جزئياً. تُحضَّر العجينة في هذه الأثناء بخلط الدقيق مع الملح والماء، ثم تُعجن وتُترك لترتاح. يُضاف شراب التمر الهندي أو بدائل الحموضة إلى العدس مع دبس الرمّان والملح، فتأخذ القدر نكهتها الحامضة المميَّزة. تُفرد العجينة وتُقطَّع شرائح رفيعةً وتُضاف إلى القدر لتنضج مع المرق. وفي الوقت ذاته تُشكَّل قطعٌ صغيرةٌ من العجين على شكل دوائر وتُقلى في الزيت حتى تأخذ لوناً ذهبياً. يُقلى البصل بالزيت حتى يحمرّ، ويُضاف نصفه إلى القدر فيمنحه عمقاً في النكهة، فيما يُحتفظ بالنصف الآخر للتزيين. وفي الخطوة الأخيرة يُقلى الثوم مع الكزبرة الخضراء ويُسكب فوق الطبق، فيُسكب الحساء في صحنٍ واسع، ويُزيَّن بحبوب الرمّان والبصل المحمَّر والكزبرة وقطع العجين المقليّ، مع الحرص على إبقاء بعض السائل في الطبق وعدم جفافه كلياً. وتُستخدم في كل ذلك أدواتٌ بيتيةٌ بسيطة، من القدر العميق لسلق العدس، إلى المقلاة للقلي، والملعقة الخشبية للتحريك، والسكين ولوح التقطيع.
شهدت وصفة حرّاق إصبعه تحوّلاتٍ معاصرةً واضحةً، وإن ظلّ جوهرها الحامض ثابتاً. فقد لجأ كثيرون إلى استبدال العجين المنزلي المقطَّع أو المقليّ بالمعكرونة الجاهزة توفيراً للوقت، كما حلّ عصير الليمون أو السماق محلّ التمر الهندي في بعض البيوت بحسب توفّر المكوّنات، وأُضيف الخبز السوري المقليّ في كثيرٍ من النسخ الحديثة بدلاً من قطع العجين المكوَّر المقليّ. وتفتح هذه التنويعات الوصفة على أذواقٍ مختلفةٍ، من دون أن تفقد الطبق هويته الأساسية القائمة على لقاء العدس بالحموضة والعجين والقدحة.
تستمدّ هذا الطبق قيمته التراثية من تشابك أبعاده في صحنٍ واحد. فهو وجبةٌ شعبيةٌ نباتيةٌ متكاملةٌ تختزل فلسفة المطبخ الشتوي، وفي الوقت ذاته خلاصةٌ لتقاليد طويلةٍ في حساء العدس الحامض موثَّقةٍ في كتب الطبخ منذ القرن الخامس عشر. وحضوره في عادة السكبات بين الجيران، إلى جانب ارتباطه بحكاياتٍ شعبيةٍ تُفسّر الاسم وتمنحه طابعاً قصصياً، يجعله واحداً من تلك الأطباق التي ترسم خطّاً متّصلاً بين المطبخ التاريخي والمطبخ المعاصر. ولذلك فإن توثيقه ليس استعادةً لوصفة، بل حفظٌ لشبكةٍ من الممارسات النسائية والعادات الجماعية والذكريات الشتوية التي تشكّلت حول صحن العدس الحامض الذي يحرق الإصبع من لذّته.
المراجع